المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٠٢
فهذا شرح الحبّ للَّه و في اللّه و درجاته، و بهذا يتّضح البغض في اللّه أيضا و لكن نزيده بيانا.
بيان البغض في اللّه
اعلم أنّ من يحبّ في اللّه لا بدّ و أن يبغض في اللّه، فإنّك إن أحببت إنسانا لأنّه مطيع للَّه و محبوب عند اللّه، فإن عصاه لا بدّ و أن تبغضه لأنّه عاص للَّه سبحانه و ممقوت عند اللّه و من أحبّ بسبب فبالضرورة يبغض لضدّه و هذان متلازمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر و هو مطّرد في الحبّ و البغض في العادات و لكن كلّ واحد من البغض و الحبّ دفين في القلب، و إنّما يترشّح عند الغلبة و يترشّح بظهور أفعال المحبّين و المبغضين في المقاربة و المباعدة و في الموافقة و المخالفة فإذا ظهر في الفعل سمّي موالاة و معاداة و لذلك قال تعالى: «هل واليت لي وليّا و هل عاديت لي عدوّا» كما نقلناه و هذا واضح في حقّ من لم يظهر لك إلّا طاعاته إذ تقدر على أن تحبّه أو لم يظهر إلّا فسقه و فجوره و أخلاقه السيّئة فتقدر على أن تبغضه، و إنّما المشكل إذا اختلطت الطاعات بالمعاصي فإنّك تقول: كيف أجمع بين البغض و المحبّة و هما متناقضان و كذلك متناقض ثمرتها من الموافقة و المخالفة و الموالاة و المعاداة، فأقول:
ذلك غير متناقض في حقّ اللّه تعالى كما لا يتناقض في الحظوظ البشريّة، فإنّه مهما اجتمع في شخص واحد خصال يحبّ بعضها و يكره بعضها فإنّك تبغضه من وجه و تحبّه من وجه، فمن له زوجة حسناء فاجرة، أو ولد ذكيّ خدوم و لكنّه فاسق فإنّه يحبّه من وجه و يبغضه من وجه، فيكون معه على حالة بين حالتين إذ لو فرض له ثلاثة أولاد أحدهم ذكيّ بارّ و الآخر بليد عاق و الآخر بليد بارّ أو ذكيّ عاق فإنّه يصادق نفسه معهم على ثلاثة أحوال متفاوتة بحسب تفاوت خصالهم، فكذلك ينبغي أن يكون حالك بالإضافة إلى من غلبت عليه الفجور و من غلبت عليه الطاعة و من اجتمع فيه كلاهما متفاوته على ثلاث مراتب و ذلك بأن تعطى كلّ مرتبة حظّها من البغض و الحبّ و الإعراض و الإقبال و الصحبة و القطيعة و سائر الأفعال الصادرة منه.
فإنّ قلت: فكلّ مسلم إسلامه طاعة منه فكيف أبغضه مع الإسلام؟ فأقول:
المحجة