المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩٨
محبوب عنده و هو رضا اللّه عزّ و جلّ.
بل أزيد على هذا و أقول: إذا اجتمع في قلبه محبّتان محبّة اللّه و محبّة الدنيا و اجتمع في شخص واحد المعنيان جميعا حتّى صلح لأن يتوسّل به إلى اللّه و إلى الدنيا فإذا أحبّه لصلاحه للأمرين فهو من المحبّين في اللّه كمن يحبّ أستاذه الّذي يعلّمه الدّين و يكفيه مهمّات الدنيا بالمواساة في المال فأحبّه من حيث إنّ في طبعه طلب الراحة في الدنيا و السعادة في الآخرة، و هو وسيلة إليهما فهو محبّ في اللّه و ليس من شرط حبّ اللّه أن لا يحبّ في العاجل حظّا البتة إذ الدعاء الّذي أمر به الأنبياء عليه السّلام فيه جمع بين الدنيا و الآخرة فمن ذلك قولهم «رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً»، و قال عيسى عليه السّلام في دعائه: «اللّهمّ لا تشمت بي عدوّي، و لا تسؤ بي صديقي، و لا تجعل مصيبتي في ديني، و لا تجعل الدنيا أكبر همّي» فدفع شماتة الأعداء من حظوظ الدنيا و لم يقل: «و لا تجعل الدنيا أصلا من همّي» بل قال: «لا تجعلها أكبر همّي» قال نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في دعائه: «اللّهمّ عافني من بلاء الدنيا و بلاء الآخرة» و على الجملة فإذا لم يكن حبّ السعادة في الآخرة مناقضا لحبّ اللّه فحبّ السلامة و الصحّة و الكفاية في الدنيا كيف يكون مناقضا لحبّ اللّه و الدنيا و الآخرة عبارتان عن حالتين إحداهما أقرب من الأخرى فكيف يتصوّر أن يحبّ الإنسان حظوظ نفسه غدا و لا يحبّها اليوم و إنّما يحبّها غدا لأنّ الغد سيصير حالا راهنة فالحالة الراهنة لا بدّ و أن تكون مطلوبة أيضا إلّا أنّ الحظوظ العاجلة منقسمة إلى ما يضادّ حظوظ الآخرة و يمنع منها و هو الّذي احترز عنه الأنبياء و الأولياء و أمروا بالاحتراز عنه، و إلى ما لا يضادّ و هو الّذي لم يمتنعوا منها كالنكاح الصحيح و أكل الحلال و غير ذلك ممّا لا يضادّ حظوظ الآخرة فحقّ العاقل أن يكرهه و لا يحبّه أعني أنّه يكرهه بعقله لا بطبعه كما يكره التناول من طعام لذيذ لملك من الملوك يعلم أنّه لو أقدم عليه لقطعت يده أو حزّت رقبته [١] لا بمعنى أنّ الطعام اللّذيذ يصير
[١] الحز: القطع.
المحجة