المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٦٩
به و يشكر اللّه تعالى على كفايته هذا المهمّ كمن وجب عليه أن يعالج مريضا ضايعا فقام بمعالجته غيره فإنّه يعظم به فرحه و إن كان يصادف ترجيحا لكلامه على كلام غيره فهو مغرور، الثاني أن يزعم أنّي أقصد الشفاعة لمسلم في دفع ظلامة و هذا أيضا مظنّة الغرور و معياره ما تقدّم ذكره».
فصل ثمّ ذكر أبو حامد مسائل في الأحوال العارضة في مخالطة السلاطين
(١) و مباشرة أموالهم و بالغ في تحريم معاملتهم و معاملة قضاتهم و عمّالهم و خدمهم بناء على أصله من حرمة ما أكثره حرام، و ذكر في ذلك أخبارا من السلف، ثمّ قال: و هذه المبالغة لم ينقل عن السلف مع الفسّاق و التجّار و الحاكة و الحجّارين و أهل الحمّامات و الصاغة و الصبّاغين و أرباب الحرف مع غلبة الفسق عليهم و الكذب بل مع الكفّار من أهل الذّمّة و إنّما هذا في الظلمة خاصّة الآكلين أموال اليتامى و المساكين و المواظبين على إيذاء المسلمين، الّذين تعاونوا على طمس رسوم الشريعة و شعائرها، و هذا لأنّ المعصية منقسمة إلى لازمة و متعدّية و الفسق لازم لا يتعدّى و كذا الكفر و هو جناية على حقّ اللّه تعالى و حسابه على اللّه و أمّا معصية الولاة بالظلم فهو متعدّ و إنّما يغلظ أمرهم لذلك و بقدر عموم الظلم و عموم التعدّي يزدادون من اللّه مقتا فيجب أن يزداد منهم اجتنابا و من معاملتهم احترازا فقد قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «يقال للشرطي دع سوطك و ادخل النّار» [١].
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من أشراط الساعة رجال معهم سياط كأذناب البقر» [٢]، فهذا حكمهم و من عرف بذلك فقد عرف و من لم يعرف فعلامته القباء و طول الشوارب و سائر الهيئات المشهورة، فمن رئي على تلك الهيئة يجب اجتنابه و لا يكون ذلك من
[١] أخرجه أبو يعلى من حديث أنس، و فيه عبيس بن ميمون و هو متروك كما في مجمع الزوائد ج ٥ ص ٢٣٤.
[٢] أخرجه الحاكم ج ٤ ص ٤٣٦ كتاب الفتن و الملاحم من حديث أبي هريرة.
المحجة