المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٦٧
خصماؤك يا أمير المؤمنين، فقال سليمان: ابتلاك اللّه بهم.
و حكي أنّ سليمان قدم المدينة يريد مكّة فأرسل إلى أبي حازم فدعاه فلمّا دخل عليه قال: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنّكم أخربتم آخرتكم و عمرتم الدّنيا فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب، قال: يا أبا حازم كيف القدوم على اللّه؟ قال: أمّا المحسن فكالغائب يقدم على أهله و أما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه، فبكى سليمان و قال: ليت شعري ما لي عند اللّه، قال أبو حازم:
اعرض نفسك على كتاب اللّه عزّ و جلّ حيث قال: «إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ» قال سليمان: فأين رحمة اللّه؟ قال: قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، ثمّ قال سليمان:
يا أبا حازم أيّ عباد اللّه أكرم؟ قال: أهل المروّة و التقى، قال: فأيّ الأعمال أفضل؟
قال: أداء الفرائض مع اجتناب المحارم، قال: فأيّ الدّعاء أسمع؟ قال: قول الحقّ عند من تخاف و ترجو، قال: فأيّ المؤمنين أكيس؟ قال: رجل عمل بطاعة اللّه و دعا الناس إليها، قال: فأيّ المؤمنين أخسر؟ قال: رجل خطا في هوى أخيه و هو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره، قال: سليمان: فما ذا تقول فيما نحن فيه؟ قال:
أ و تعفيني؟ قال: لا و لكن نصيحة تلقيها إليّ، قال: يا أمير المؤمنين إنّ آباءك قهروا الناس بالسيوف و أخذوا الملك عنوة من غير مشورة من المسلمين حتّى قتلوا قتلة عظيمة و قد ارتحلوا فلو شعرت ما قالوا و ما قيل لهم، فقال له رجل من جلسائه:
بئس ما قلت، قال أبو حازم: إنّ اللّه تعالى قد أخذ الميثاق على العلماء ليبيننّه للناس و لا يكتمونه، قال سليمان: فكيف لنا أن نصلح هذا الفساد؟ قال: أن تأخذ من حلّه فتضعه في حقّه، قال: و من يقدر على ذلك؟ قال: من يطلب الجنّة و يخاف النّار، قال سليمان: ادع لي، قال: أبو حازم: اللّهمّ إن كان سليمان وليّك فبشّره بالجنّة في الدنيا و الآخرة و إن كان عدوّك فخذ بناصيته إلى ما تحبّ و ترضى، قال سليمان: أوصني قال:
أوصيك و أوجز: عظّم ربّك و نزّهه أن يراك حيث نهاك و يفقدك من حيث أمرك.
و قال عمر بن عبد العزيز لأبي حازم عظني فقال: اضطجع ثمّ اجعل الموت عند رأسك ثمّ انظر ما تحبّ أن تكون فيه تلك الساعة فخذ به الآن و ما تكره أن
المحجة