المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٤٥
و قد رسم أبو حامد في هذا الأصل مسائل
نذكر منها بعضا و ندع بعضا.
مسألة- إذا كان في يده حلال و حرام أو شبهة
و لم يفضل الكلّ عن حاجته فإذا كان له عيال فليخصّ نفسه بالحلال لأنّ الحجّة عليه في نفسه أوكد منه في عبده و عياله و أولاده الصغار و الكبار من أولاده، يحرسهم من الحرام إن كان لا يفضي بهم ذلك إلى ما هو أشدّ منه فإن أفضى فليطعمهم بقدر الحاجة، و بالجملة كلّ ما يحذر في غيره فهو محذور في نفسه و زيادة و هو أنّه يتناول مع العلم و العيال في نفسه ربّما تعذر إذا لم تعلم إذ لم تتولّ الأمر بنفسها، فليبدأ بالحلال بنفسه ثمّ بمن يعول، و إذا تردّد في حقّ نفسه بين ما يخصّ قوته و كسوته و بين غيره من المؤمن كأجرة الحجّام و الصبّاغ و القصّار، و الاطلاء بالنورة، و الدّهن، و الحمّال، و عمارة المنزل و تعهّد الدّابة، و تسجير التنوّر، و ثمن الحطب، و دهن السراج فليخصّ بالحلال قوته و لباسه فإنّ ما يتعلّق ببدنه و لا غنى به عنه هو أولى بأن يكون طيّبا و إذا دار الأمر بين القوت و اللّباس فيحتمل أن يقال: يخصّ القوت بالحلال لأنّه الممتزج بلحمه و دمه، و كلّ لحم ربّي من حرام فالنّار أولى به، و أمّا الكسوة ففائدتها ستر عورته و دفع الحرّ و البرد و الابصار عن بشرته و هذا هو الأظهر عندي.
و قال المحاسبي[١]يقدّم اللّباس لأنّه يبقى عليه مدّة و الطعام لا يبقى عليه و لما روي «أنّه لا يقبل صلاة من عليه ثوب اشتراه بعشرة دراهم فيها درهم حرام» [١].
و هذا محتمل و لكن أمثال هذا قد ورد فيمن في بطنه حرام و نبت لحمه من حرام فمراعاة اللّحم و العظم أن ينبت من الحلال أولى و لذلك تقيّأ بعضهم ممّا شربه من الحرام مع الجهل حتّى لا ينبت منه لحم يثبت و يبقى.
فإن قيل: فإذا كان الكلّ منصرفا إلى أغراضه فأيّ فرق بين نفسه و بين غيره و بين جهة و جهة و ما مدرك هذا الفرق؟
فأقول: عرف ذلك ممّا روي أن رافع بن خديج مات و خلف ناضحا و عبدا
[١] هو أبو عبد اللّه الحارث بن أسد المحاسبي صاحب كتاب الرعاية لحقوق اللّه.
[١] أخرجه أحمد من حديث ابن عمر و قد تقدم ص ٢٠٤.
المحجة