المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٤٣
ذهب جماعة إلى أنّ ذلك غير جائز لأنّه حرام؟.
فنقول: نعم ذلك له وجه و احتمال و لكنّا اخترنا خلافه للخبر و الأثر و القياس أمّا الخبر فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سلّم بالتصدّق بالشاة المصلية الّتي قدّمت إليه و كلّمته بأنّه حرام إذ قال صلّى اللّه عليه و آله سلّم: أطعموها الاسارى [١]؛ و تصدّق بما خاطر به أبو بكر مع الكفّار قبل تحريم القمار [٢].
و أما الأثر فما روي أنّ ابن مسعود اشترى جارية و لم يظفر بمالكها لينقد له الثمن بعد الطلب الكثير، فلمّا لم يجده تصدّق بالثمن و قال: اللّهمّ هذا عنه إن رضي و إلّا فالأجر لي.
و أما القياس فلأنّ هذا المال مردّد بين أن يضيع و بين أن يصرف إلى خير إذ وقع اليأس من مالكه، و بالضرورة يعلم أنّ صرفه إلى خير أولى من إلقائه في البحر فإنّا إذا رميناه فيه فقد فوّتنا على أنفسنا و على المالك و لم يحصل منه فائدة و إذا رميناه في يد فقير يدعو لمالكه حصل لمالكه بركة دعائه و حصل للفقير سدّ حاجته و حصول الأجر للمالك بغير اختياره في التصدّق لا ينبغي أن ينكر، فإنّ في الخبر الصحيح «أنّ للزارع و الغارس أجرا لكلّ ما يصيبه الناس و الطيور من ثماره» [٣] و أمّا قول القائل: لا يتصدّق إلّا بالطيّب، فذاك إذا طلبنا الأجر لأنفسنا و نحن الآن نطلب الخلاص من المظلمة لا الأجر و قد ردّدنا بين التضييع و بين التصدّق، و قوله: لا نرضى لغيرنا ما لا نرضى لأنفسنا. فهو كذلك و لكنّه علينا حرام لاستغنائنا عنه و للفقير حلال إذ أحلّه دليل الشرع، و إذا اقتضت المصلحة التحليل وجب التحليل و إذا حلّل فقد رضينا له الحلال و نقول: إنّ له أن يتصدّق على نفسه و عياله إذا كان فقيرا أمّا عياله و أهله فلا يخفى لأنّ الفقير لا ينتفي عنهم بكونهم من عياله و أهله بل هم أولى من يتصدّق عليهم، و أمّا هو فله أن يأخذ منه قدر حاجته لأنّه فقير أيضا و لو
[١] أخرجه أبو داود ج ٢ ص ٢١٨ باب اجتناب الشبهات.
[٢] راجع تفسير الدر المنثور ج ٥ ص ١٥٠.
[٣] أخرجه البخاري ج ٣ ص ١٢٨ من حديث أنس.
المحجة