المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٣٨
فليأكل و لا يسأل إذ السؤال إيذاء و هتك ستر و إيحاش و هو حرام بلا شكّ.
فإن قلت: لعلّه لا يتأذّى، فأقول لعلّه يتأذّى و أنت تسأل حذرا من لعلّ فإن قنعت بلعلّ فلعلّ ماله حلال و ليس الإثم المحذور في إيذاء المسلم بأقلّ من الإثم في أكل الشبهة أو الحرام، و الغالب على الناس الاستيحاش بالتفتيش و لا يجوز له أن يسأل عن غيره من حيث يدري هو به لأنّ الإيذاء في ذلك أكثر و إن سأل من حيث لا يدري هو ففيه إساءة ظنّ و هتك ستر و فيه تجسّس و فيه تسبيب بالغيبة و إن لم يكن صريحا، و كلّ ذلك منهيّ عنه في آية واحدة قال اللّه تعالى: «اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَ لا تَجَسَّسُوا وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً» [١] و كم من زاهد جاهل يوحش القلوب بالتفتيش و يتكلّم بالكلام الخشن المؤذي، و إنّما يحسّن الشيطان عنده ذلك طلبا للشهرة بأكل الحلال و لو كان باعثه محض الدّين لكان خوفه على قلب مسلم أن يتأذّى أشدّ من خوفه على بطنه أن يدخله ما لا يدري و هو غير مؤاخذ بما لا يدري إذا لم يكن ثمّة علامة توجب الاجتناب، فليعلم أنّ طريق الورع الترك دون التجسّس و إذا لم يكن بدّ من الأكل فالورع الأكل و إحسان الظنّ، هذا هو المألوف من الصحابة و من زاد عليهم في الورع فهو ضالّ مبتدع و ليس بمتّبع فليس يبلغ أحد مدى حدّهم و لا نصيفه و لو أنفق ما في الأرض جميعا، و كيف و قد أكل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم طعام بريرة فقيل: إنّه صدقة فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: هو لها صدقة و لنا هديّة[١]و لم يسأل عن المتصدّق عليها و كان المتصدّق مجهولا عنده و لم يمتنع.
الحالة الثانية أن يكون مشكوكا فيه
بسبب دلالة أورثت ريبة فلنذكر صورته ثمّ حكمه، أمّا الصورة فهو أن تدلّ على تحريم ما في يده دلالة إمّا من خلقته، و إمّا من زيّه و ثيابه، أو من فعله و قوله.
أمّا الخلقة فبأن يكون على خلقة الأتراك و البوادي و المعروفين بالظلم و قطع الطريق، و أن يكون طويل الشارب، و أن يكون الشعر مفرّقا على رأسه على دأب أهل الظلم و الفساد.
[١] تقدم الخبر في المجلد الثاني.
[١] الحجرات: ١٢.
المحجة