المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٣٥
الحلّ بدلالة تغلب على الظنّ أو باستصحاب بموجب قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» و بموجب سائر الأدلّة الّتي سبق ذكرها، فهذه مثارات الشبهات و بعضها أشدّ من بعض و لو تظاهرت شبهات شتّى على شيء واحد كان الأمر أغلظ.
و هذه مراتب عرفنا طريق الوقوف عليها و ليس في قوّة البشر حصرها، فما اتّضح من هذا الشرح أخذ به و ما التبس فليجتنب فإنّ الإثم حوازّ القلوب[١]، و حيث قضينا باستفتاء القلب أردنا به حيث أباح المفتي أمّا حيث حرّمه فيجب الامتناع ثمّ لا يعوّل على كلّ قلب، فربّ موسوس ينفر عن كلّ شيء و ربّ شره متساهل يطمئنّ إلى كلّ شيء و لا اعتبار بهذين القلبين، و إنّما الاعتبار بقلب العالم المؤمن المراقب لدقائق الأحوال فهو المحك الّذي يمتحن به خفايا الأمور، و ما أعزّ هذا القلب في القلوب فمن لم يثق بقلب نفسه فليلتمس النور من قلب بهذه الصّفة و ليعرض عليه واقعته، و جاء في الزبور «أنّ اللّه تعالى أوحى إلى داود عليه السّلام قل لبني إسرائيل إنّي لا أنظر إلى صلاتكم و لا إلى صيامكم و لكن أنظر إلى من شكّ في شيء فتركه لأجلي فذاك الّذي اؤيّده بنصري و أباهي به ملائكتي».
(١) أقول: و من طريق الخاصّة ما رواه في الكافي عن الصادق عليه السّلام أنّه قال:
«إنّما الأمور ثلاثة أمر بيّن رشده فيتّبع، و أمر بيّن غيّه فيجتنب و أمر مشكل يردّ علمه إلى اللّه و رسوله، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات و هلك من حيث لا يعلم» [١].
[١] قال الجزري في مادة «حوز»: في حديث ابن مسعود: الإثم حواز القلوب هكذا رواه شمر- بتشديد الواو- من حاز يحوز اى يجمع القلوب و يغلب عليها. و المشهور بتشديد الزاي. و قال في مادة «حزر» و منه حديث ابن مسعود «الإثم حواز القلوب» بتشديد الزاي- هي الأمور التي تحز فيها اى تؤثر كما يؤثر الحز في الشيء و هو ما يخطر فيها من أن تكون معاصي لفقد الطمأنينة إليها و هو جمع حاز انتهى، و قد تقدم في المجلد الأول ص ٥٧.
[١] المصدر ج ١ ص ٦٧ في حديث طويل.
المحجة