المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٣٣
إنّ أبا جعفر عليه السّلام كان يقول: إنّ الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم و إنّ الدّين أوسع من ذلك» [١]. و في الصحيح عن الرّضا عليه السّلام مثله [٢].
و عن الحسن بن الجهم عن الرّضا عليه السّلام قال: قلت له: «أعترض السوق فأشتري خفّا لا أدري أ ذكيّ هو أم لا، قال: صلّ فيه، قلت: و النعل؟ قال: مثل ذلك، قال: إنّي أضيق من هذا، قال: أ ترغب عمّا كان أبو الحسن عليه السّلام يفعله» [٣] و في الصحيح عن أبي جعفر عليه السّلام «أنّه سئل عن شراء اللّحم من الأسواق و لا يدرون ما صنع القصّابون قال: كلّ ذلك إذا كان في سوق المسلمين لا تسأل عنه» [٤] يعني إذا اشتريته من رجل ظاهره الإسلام لأنّه في سوق المسلمين، و في رواية سماعة قال: «سألته عن أكل الجبن و تقليد السيف و فيه الكيمخت و الفراء، فقال: لا بأس» [٥].
و عن أمير المؤمنين عليه السّلام «أنّه سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها و خبزها و جبنها و بيضها و فيها سكّين، قال: يقوّم ما فيها ثمّ يؤكل لأنّه يفسد و ليس له بقاء، فإن جاء طالبها غرموا له الثمن، قيل: يا أمير المؤمنين لا ندري أ سفرة مسلم أو مجوسيّ؟ فقال: هم في سعة حتّى يعلموا» [٦].
قال أبو حامد:
«القسم الثالث تعارض الأشباه في الصّفات الّتي بها تناط الأحكام
و مثاله أن يوصى بمال للفقهاء فيعلم أنّ الفاضل في الفقه داخل فيه و أنّ الّذي ابتدأ التعلّم منذ يوم أو شهر لا يدخل فيه و بينهما درجات لا تحصى فيقع الشكّ فيها، فالمفتي يفتي بحسب الظنّ، و الورع الاجتناب، و هذا أغمض مثارات الشبهة فإنّ فيها صورا يتحيّر المفتي فيها تحيّرا لازما لا حيلة له فيه، إذ يكون المتّصف بالصّفة في درجة
[١] الفقيه ص ٧٠ تحت رقم ٣٩.
[٢] التهذيب ج ١ ص ٢٤١.
[٣] الكافي ج ٣ ص ٤٠٤ تحت رقم ٣١.
[٤] التهذيب ج ٢ ص ٣٠٠.
[٥] الفقيه ص ٧١ تحت رقم ٦٦.
[٦] الكافي ج ٦ ص ٢٩٧ تحت رقم ٢.
المحجة البيضاء، جلد٣، ص: ٢٣٤
متوسّطة بين الدّرجتين المتقابلتين لا يظهر له ميله إلى أحدهما، و كذلك الصدقات المصروفة إلى المحتاجين فإنّ من لا شيء له معلوم أنّه محتاج و من له مال كثير معلوم أنّه غنيّ و يتصدّى بينهما مسائل غامضة كمن له دار و أثاث و ثياب و كتب فإنّ قدر الحاجة منه لا يمنع من الصرف إليه، و الفاضل يمنع و الحاجة ليست محدودة، و إنّما يدرك بالتقريب و يتعدّى[١]منه النظر في مقدار سعة الدّار و أبنيتها و مقدار قيمتها لكونها في وسط البلد و وقوع الاكتفاء بدار دونها و كذلك في نوع أثاث البيت إذا كان من الصفر لا من الخزف و كذلك في عددها و قيمتها و كذلك فيما يحتاج إليه كلّ يوم و ما يحتاج إليه كلّ سنة كآلات الشتاء و ما لا يحتاج إليه إلّا في سنين، و شيء من ذلك لا حدّ له و الوجه في مثل هذا ما قاله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذ قال: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» [١] و كلّ ذلك في محلّ الرّيب، فإن توقّف المفتي فلا وجه له إلّا التوقّف و إن أفتى بظنّ و تخمين فالورع التوقّف و هو أهمّ مواقع الورع، و كذلك ما يجب بقدر الكفاية من نفقة الأقارب و كسوة الزّوجات و كفاية الفقهاء و العلماء على بيت المال إذ فيه طرفان يعلم أنّ أحدهما قاصر و أنّ الآخر زائد و بينهما أمور متشابهة تختلف باختلاف الشخص و الحال و المطّلع على الحاجات هو اللّه تعالى، و ليس للبشر وقوف على حدودها فما دون الرطل المكّي في اليوم قاصر عن الكفاية للرجل الضخم و ما فوق ثلاثة أرطال زائد على الكفاية و ما بينهما لا يتحقّق له حدّ، فليدع الورع ما يريبه إلى ما لا يريبه و هذا جار في كلّ حكم نيط بسبب يعرف ذلك السبب بلفظ إذ العرب و سائر أهل اللّغات لم يقدّروا متضمّنات اللّغات بحدود محدودة ينقطع أطرافها عن مقابلاتها كلفظ الستّة فإنّه لا يحتمل ما دونها و ما فوقها من الأعداد و سائر ألفاظ الحساب و التقديرات، فليست الألفاظ اللّغويّة كذلك فلا لفظ في كتاب اللّه و سنّة رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلّا و يتطرّق الشكّ إلى أوساط في مقتضياتها تدور بين أطراف متقابلة فتعظم الحاجة إلى هذا الفنّ في الوصايا و الأوقاف، فهذه اشتباهات تثور من علامات متعارضة تجذب إلى طرفين متقابلين، و كلّ ذلك من الشبهات يجب اجتنابها إذا لم يترجّح جانب
[١] في بعض النسخ [و يتصدى].
[١] تقدم غير مرة سابقا.
المحجة