المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٢٦
الدّنيا لم يشترط أيضا في بلد إلّا إذا وقع بين جماعة محصورين بل اجتناب هذا من ورع الموسوسين، و بما علم في زمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الخلفاء إذ كانت أثمان الخمور و دراهم الربا في أيدي أهل الذمّة مختلطة بالأموال، و كذا غلول الغنائم و من الوقت الّذي نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن الربا إذ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أوّل ربا أضعه ربا العبّاس» [١] ما ترك الناس الربا بأجمعهم كما لم يتركوا شرب الخمر و سائر المعاصي حتّى روي أنّ بعض الصحابة باع الخمر إذ لم يكن قد فهموا أنّ تحريم الخمر تحريم لثمنها و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ فلانا في النار يجرّ عباءة قد غلّها» [٢] و «قتل رجل ففتّشوا متاعه فوجدوا فيه خرزا من خرز اليهود لا يساوي درهمين قد غلّه» [٣] و كذلك أدرك أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الأئمّة الظلمة و لم يمتنع أحد منهم عن الشرى في السوق بسبب نهب المدينة و قد نهبها أصحاب يزيد ثلاثة أيّام و كان من يمتنع من تلك الأموال مشارا إليه في الورع، و الأكثرون لم يمتنعوا، و من أوجب ما لم يوجبه السلف الصالحون و زعم أنّه تفطّن في الشرع ما لم يتفطّنوا فهو موسوس مخبّل العقل مع أنّه لو فتح هذا الباب لانسدّ باب جميع التصرّفات و خرب العالم إذ الفسق يغلب على الناس و يتساهلون بسببه في شروط الشرع و عقودها و يؤدّي ذلك لا محالة إلى الاختلاط.
قال: و أمّا قول القائل: إنّ أكثر الأموال حرام في زماننا هذا فهو غلط محض و منشؤه الغفلة عن الفرق بين الكثير و الأكثر، فأكثر الناس يظنّون أنّ ما ليس بنادر فهو الأكثر و يتوهّمون أنّهما قسمان متقابلان ليس بينهما ثالث و ليس كذلك بل الأقسام ثلاثة قليل و هو النادر و كثير و أكثر.
و قال: فإن قيل: فلو قدّر غلبة الحرام و قد اختلط غير محصور بغير محصور فما ذا تقول فيه إذا لم يكن في العين المتناولة علامة خاصّة؟
[١] أخرجه مسلم ج ٣ ص ٤١ من حديث جابر.
[٢] أخرجه البخاري ج ٤ ص ٩١ من حديث عبد اللّه بن عمر. و ابن ماجه تحت رقم ٢٨٤٩.
[٣] أخرجه ابن ماجه تحت رقم ٢٨٤٨.
المحجة