المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢١٥
الزّينة مباحة في نفسها فإنّ أكثر المباحات داعية إلى المحظورات حتّى الاستكثار من الأكل و استعمال الطيّب للمتعزّب فإنّه يحرّك الشهوة و الشهوة تدعو إلى الفكر و الفكر إلى النظر و النظر إلى غيره، و كذلك النظر إلى دور الأغنياء و تجمّلهم مباح في نفسه و لكن يهيج الحرص و يدعو إلى طلب مثله و يلزم منه ارتكاب ما لا يحلّ في تحصيله و هكذا المباحات كلّها إذا لم تؤخذ بقدر الحاجة و في وقت الحاجة مع التحرّز من غوائلها بالمعرفة أوّلا ثمّ الحذر ثانيا فقلّما يخلو عاقبته عن خطر، و كذا كلّ ما أخذ بالتنزه فقلّما يخلو عن خطر حتّى كره بعضهم تجصيص الحيطان قال: و أما تجصيص الأرض فيمنع التراب و أمّا تجصيص الحائط فزينة لا فائدة فيه حتّى أنكر تجصيص المسجد و تزيينه و استدلّ بما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنّه سئل أن يكحل المسجد فقال: لا، عريش كعريش موسى[١]و إنّما هو شيء مثل الكحل يطلي به فلم يرخّص فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، كلّ ذلك خوفا من سريان اتّباع الشهوات في المباحات إلى غيرها فإنّ المباح و المحظور يشتهيان بشهوة واحدة و إذا عوّدت الشهوة المسامحة استرسلت فاقتضى خوف التقوى الورع من هذا كلّه، فكلّ حلال انفكّ عن مثل هذه المخافة فهو الحلال الطيّب في الدّرجة الثالثة و هو كلّ ما لا يخاف أداؤه إلى معصية البتّة.
و أمّا الدّرجة الرابعة و هي ورع الصدّيقين فالحلال المطلق عندهم كلّ ما لا يتقدّم في أسبابه معصية و لا يستعان به على معصية و لا يقصد منه في الحال و المآل قضاء وطر، بل يتناول للَّه تعالى فقط و للتقوى على عبادته و استبقاء الحياة لأجله و هؤلاء الّذين يرون كلّ ما ليس للَّه تعالى حراما امتثالا لقوله تعالى: «قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ» [١]، فهذه رتبة الموحّدين المتجرّدين عن حظوظ أنفسهم المتفرّدين للَّه تعالى بالقصد، و لا شكّ في أنّ من تورّع عمّا يوصل إليه بمعصية أو يستعان عليه بمعصية
[١] أخرجه الدارقطني في الافراد من حديث أبي الدرداء و قال: غريب كما في المغني و مثله في الكافي ج ٣ ص ٢٩٦، و العريش: ما يستظل به، يبنى من سعف النخل مثل الكوخ فيقيمون فيه مدة إلى أن يصرم النخل.
[١] الانعام: ٩١.
المحجة