المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢١٤
و قال أبو الدّرداء: إنّ تمام التقوى أن يتّقي العبد في مثقال ذرّة حتّى يترك بعض ما يرى أنّه حلال خشية أن يكون حراما فيكون حجابا بينه و بين النّار، و لهذا كان لبعضهم مائة درهم على واحد دينا فحملها إليه فأخذ تسعة و تسعين و تورّع عن الاستيفاء للجميع خيفة زيادة.
و كان بعضهم يتّجر و كلّ ما يستوفيه يأخذه بنقصان حبّة و ما يعطيه يزنه مع زيادة حبّة ليكون ذلك حاجزا من النّار.
و من هذه الدّرجة ما يتسامح الناس به، فإنّ ذلك حلال في التقوى و لكن يخاف من فتح بابه أن ينجرّ إلى غيره و تألف النفس الاسترسال و تترك الورع.
و من ذلك ما روي عن عليّ بن معبد أنّه قال: كنت جالسا في بيت بكر فكتبت كتابا و أردت أن آخذ من تراب حائط لأتربه ثمّ قلت: الحائط ليس لي فقالت لي نفسي: و ما قدر تراب من حائط فأخذت من التراب قدر حاجتي فلمّا نمت فإذا بشخص واقف يقول: سيعلم غدا الّذين يقولون: و ما قدر تراب من حائط.
و لعلّ معنى ذلك أنّه يرى كيف يحطّ منزلته فإنّ للتقوى منزلة تفوت بفوات ورع المتّقين و ليس المراد به أنّه يستحقّ عقوبة على فعله.
و قيل: إنّ بعضهم كان عند محتضر فمات ليلا فقال: أطفئوا المصباح فقد حدث للورثة حقّ في الدّهن.
و سئل بعضهم عن رجل يكون في المسجد فيحمل مجمرة لبعض السلاطين يبخّر المسجد بالعود، فقال: ينبغي أن يخرج من المسجد فإنّه لا ينتفع من العود إلّا برائحته. و هذا قد يقارب الحرام فإنّ القدر الّذي يعبق بثوبه من رائحة الطيب قد يقصد و قد يبخل به و لا يدري أنّه يتسامح به أم لا.
و سئل أيضا عمّن سقط عنه ورقة من أحاديث فهل لمن وجدها أن يكتب منها ثمّ يردّها؟ فقال: لا، يستأذن ثمّ يكتب، و هذا أيضا قد يشكّ في أنّ صاحبه يرضى به أم لا، فما هو في محلّ الشكّ و الأصل تحريمه فهو حرام و تركه من الدّرجة الأولى.
و من ذلك التورّع عن الزّينة فإنّه يخاف منها أن تدعو إلى غيرها و إن كانت
المحجة