المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢١٣
صالح أو من يتيم أخبث و أغلظ من المأخوذ من قويّ أو غنيّ أو فاسق لأنّ درجات الإيذاء يختلف باختلاف درجات المؤذي، فهذه دقائق في تفاصيل الخبائث لا ينبغي أن يذهل عنها و لو لا اختلاف درجات العصاة لما اختلفت درجات النّار، و إذا عرفت مثارات التغليظ فلا حاجة إلى حصره في درجات ثلاث أو أربع فإنّ ذلك جار مجرى التحكّم و التشهّي و هو طلب حصر فيما لا حصر له، و يدلّك على اختلاف درجات الحرام في الخبث ما سيأتي في تعارض المحذورات و ترجيح بعضها على بعض حتّى إذا اضطرّ إلى أكل ميتة أو أكل طعام الغير أو أكل صيد الحرم فإنّا تقدّم بعض هذه على بعض.
أمثلة الدرجات الأربع في الورع و شواهدها
أمّا الدّرجة الأولى و هي ورع العدول فكلّ ما اقتضى الفتوى تحريمه ممّا يدخل في المداخل الستّة الّتي ذكرناها من مداخل الحرام بفقد شرط فهو الحرام المطلق الّذي ينسب مقتحمه إلى الفسق و المعصية و هو الّذي نريده بالحرام المطلق فلا يحتاج إلى أمثلة و شواهد.
و أمّا الدّرجة الثانية فأمثلتها كلّ شبهة لا يجب اجتنابها كما سيأتي في باب الشبهات إذ من الشبهات ما يجب اجتنابه فيلحق بالحرام و منها ما يكره اجتنابه و الورع عنه ورع الموسوسين كمن يمتنع عن الاصطياد خوفا من أن يكون الصيد قد أفلت من إنسان أخذه و ملكه و هذا وسواس، و منها ما يستحبّ اجتنابه و لا يجب، و هو الّذي ينزل عليه قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»[١]و يحمل على نهي التنزيه و أمثلة هذه الدّرجة نذكرها عند التعرّض لدرجات الشبهة فكلّ ما هو شبهة فلا يجب اجتنابه على مثال هذه الدّرجة.
و أمّا الدّرجة الثّالثة و هي ورع المتّقين فيشهد لها قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لا يبلغ العبد درجة المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به مخافة ما به بأس» [١].
[١] أخرجه الحاكم في المستدرك ج ٢ ص ١٣ من حديث الحسن بن على عليهما السلام و قال: حديث صحيح و لم يخرجاه و قد مر في المجلد الأول.
[١] أخرجه ابن ماجه تحت رقم ٤٢١٥.
المحجة