المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨٣
الباب الرابع في الإحسان في المعاملة
قد أمر اللّه تعالى بالعدل و الإحسان جميعا، و العدل سبب النجاة فقط و هو يجري من التجارة مجرى سلامة رأس المال، و الإحسان سبب الفوز و نيل السعادة، و هو يجري من التجارة مجرى الربح، و لا يعدّ من العقلاء من قنع في معاملات الدّنيا برأس ماله، فكذا في معاملات الآخرة، فلا ينبغي للمتديّن أن يقتصر على العدل و اجتناب الظلم و يدع أبواب الإحسان و قد قال تعالى: «وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ» [١] و قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ» [٢] و قال: «إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ» [٣] و نعني بالإحسان فعل ما ينتفع به المعامل و هو غير واجب عليه و لكنّه تفضّل منه فإنّ الواجب يدخل في باب العدل و ترك الظلم و قد بيّنّاه، و ينال رتبة الإحسان بواحد من ستّة أمور:
الأوّل في المغابنة فينبغي أن لا يغابن صاحبه بما لا يتغابن به في العادة
فأمّا أصل المغابنة فمأذون فيه لأنّ البيع للربح و لا يمكن ذلك إلّا بغبن ما و لكن يراعي فيه التقريب فإنّ بذل المشتري زيادة عن الربح المعتاد إمّا لشدّة رغبته أو لشدّة حاجته في الحال فينبغي أن يمتنع عن قبوله فذلك من الإحسان، و مهما لم يكن تلبيس لم يكن أخذ الزيادة ظلما، و قد ذهب بعض العلماء إلى أنّ الغبن بما يزيد على الثلث يوجب الخيار و لسنا نرى ذلك و لكنّ من الإحسان أن يحطّ ذلك الغبن، يروى أنّه كان عند يونس بن عبيد حلل مختلفة الأثمان ضرب قيمة كلّ حلّة منها أربعمائة و ضرب قيمتها مائتان فمرّ إلى الصلاة و خلّف ابن أخيه في الدكّان فجاء أعرابيّ فطلب حلّة بأربعمائة فعرض عليه من حلل المائتين فاستحسنها و رضيها و اشتراها منه فمشى بها و هي على يديه فاستقبله يونس و عرف حلّته فقال: بكم
[١] القصص: ٧٧.
[٢] النحل: ٩٠.
[٣] الأعراف: ٥٦.
المحجة