المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٤٥
من استطاع منكم أن يموت حاجّا أو غازيا أو عامرا لمسجد ربّه فليفعل و لا يموتنّ تاجرا و لا خائنا.
فالجواب أنّ وجه الجمع بين هذه الأخبار تفصيل الأحوال فنقول: لسنا نقول:
التجارة أفضل مطلقا و لا التخلّي أفضل مطلقا من كلّ وجه و لكن نقول: التجارة إمّا أن يطلب بها الكفاية أو الثروة و الزيادة على الكفاية، فإن طلب بها الزيادة على الكفاية لاستكثار المال و ادّخاره لا للصرف إلى الخيرات و الصدقات فهي مذمومة لأنّه إقبال على الدّنيا الّتي حبّها رأس كلّ خطيئة فإن كان مع ذلك خائنا فهو ظلم و فسق و هذا ما أراده سلمان بقوله: «لا تمت تاجرا و لا خائنا» و أراد بالتّاجر طالب الزّيادة.
و أمّا إذا طلب بها الكفاية لنفسه و أولاده و كان يقدر على كفايتهم بالسؤال فالتجارة تعفّفا عن السؤال أفضل و إن كان لا يحتاج إلى السؤال و كان يعطى من غير مسألة فالكسب أفضل له لأنّه إنّما يعطى لأنّه سائل بلسان حاله و مناد بين الناس بفقره فالتعفّف و التستّر أولى من البطالة بل من الاشتغال بالعبادة البدنيّة.
و ترك الكسب أفضل لأربعة: عابد مشتغل بالعبادات البدنيّة [الباطنة] أو رجل له سير بالباطن و عمل بالقلب في علوم الأحوال و المكاشفات، أو عالم مشتغل بتربية علم الظاهر بما ينتفع الناس به في دينهم كالمفتي و المفسّر و المحدّث و أمثالهم، أو رجل مشتغل بمصالح المسلمين و قد تكفّل بأمورهم كالسلطان و القاضي و الشاهد فهؤلاء إذا كانوا يكفون من الأموال المرصّدة للمصالح أو الأوقاف المسبلة على العلماء و الفقراء فإقبالهم على ما هم فيه أفضل من الاشتغال بالكسب و لهذا أوحي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن سبّح بحمد ربّك و كن من الساجدين، و لم يوح إليه أن اجمع المال و كن من التاجرين لأنّه كان جامعا لهذه المعاني الأربعة مع زيادات لا يحيط بها الوصف، و لهؤلاء الأربعة حالتان أخريان، إحداهما أن يكون كفايتهم عند ترك الكسب من أيدي الناس و ما يتصدّق به عليهم من زكاة أو صدقة من غير حاجة إلى سؤال فترك الكسب و الاشتغال بما هم فيه أولى إذ فيه إعانة للنّاس على الخيرات و قبول منهم لما هو حقّ عليهم أو فضل لهم، الحالة الثانية الحاجة إلى السؤال فهذا في محلّ النظر و التشديدات الّتي
المحجة