شرف المصطفى - أبو سعيد الخركوشي النيشابوري - الصفحة ٣٤٠ - فصل في الدلائل التي يستدل بها على نبوته (صلى الله عليه و سلم)
و الوجه الخامس: البرهان العقلي- و هو القرآن-: الذي تحدى به العرب مرة بعد أخرى، و تارة بعد أولى إلى يأتوا بسورة مثله، و فيهم الشعراء و الخطباء و البلغاء، و لم يتركهم على ذلك بل توعدهم بأشد الوعيد، و وبخهم أغلظ التوبيخ، إن لم يأتوا بسورة مثله أن يدعوا شهداءهم من دون اللّه إن كانوا صادقين، قال تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا شرطا، وَ لَنْ تَفْعَلُوا خبرا حتما، فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ، يعني: فإن لم تفعلوا و لن تقدروا عليه و أصررتم على ما أنتم عليه من التكذيب فاتقوا النار التي وقودها الناس و الحجارة.
و قال عزّ و جلّ: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ الآية، و قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨).
و كيف يجوز أن يكونوا- مع ما أوتوا من البسطة في اللسان و القدرة على البيان و الفصاحة و الجزالة و الحمية و الأنفة- قد جاءهم واحد من جملة عددهم بدين يخالف دينهم فسفّه عقولهم و ضلل أحلامهم و سب آلهتهم و شتت جموعهم، و جاءهم بكلام منظوم يبين بذلك الكلام على صدقه و أنه دليله على نبوته، و أنهم لا يقدرون على أن يأتوا بسورة مثله!! فقرعهم بذلك في المواقف و الرد عليهم مقالة في المواطن، و هم قادرون على أن يكذبوه في انتحاله، و يكفون أنفسهم أمره بمعارضته، مختارين بذلك بذل النفوس و الأموال، و العزيز من الأهل و الأولاد على ما هو أخف و أيسر من مقابلته بكلام يسير يلوح منه كذبه، و يظهر به افتعاله و إفكه، فدل ما قلنا: أن تركهم المعارضة إنما كان لظهور العجز و الانقطاع، و الكلام في إعجاز القرآن يطول.