شرف المصطفى - أبو سعيد الخركوشي النيشابوري - الصفحة ٣٥٣ - فصل في أعلام نبوته (صلى الله عليه و سلم)، و ما في تأييد اللّه و نصرته له على أعدائه ورد كيدهم عنه من الدلائل الظاهرة
فتشاوروا، فقال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا و ننفيه من بلدنا، فإذا أخرج عنا فو اللّه ما نبالي أين ذهب و لا حيث وقع.
قال الشيخ النجدي: ليس هذا برأي، أ لم تروا حسن حديثه و حلاوة منطقه، و غلبته على قلوب الرجال بما يأتي به؟ فلا نأمن من أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله و حديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم في بلادكم فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، دبروا فيه رأيا آخر.
فقال أبو جهل: إني أرى أن تأخذوا من كل قبيلة فتى شابا جلدا نسيبا وسيطا فينا، ثم يعطى كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه و يضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه و نستريح منه، فإذا فعلنا ذلك تفرق دمه في القبائل كلها فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا و رضوا بالعقل فعقلناه لهم.
فقال الشيخ النجدي: القول ما قلت، هذا الرأي الذي لا رأي غيره، فتفرق القوم على ذلك و هم مجمعون له.
فأتى جبريل (عليه السلام) رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فقال (صلى الله عليه و سلم) لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: نم على فراشي و تسجّ ببردي هذا فنم فيه فإنه لن يخلص إليك منهم شيء تكرهه، و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) ينام في برده ذلك.
و لما اجتمعوا له، خرج رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و هم على بابه فأخذ حفنة من تراب في يديه، و أخذ اللّه على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر من ذلك التراب على رءوسهم و هو يتلو هذه الآيات: يس (١) وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إلى قوله تعالى: وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا