شرف المصطفى - أبو سعيد الخركوشي النيشابوري - الصفحة ٣٤٨ - فصل في أعلام نبوته (صلى الله عليه و سلم)، و ما في تأييد اللّه و نصرته له على أعدائه ورد كيدهم عنه من الدلائل الظاهرة
للّه في كل شيء سلطان و مع كل شيء قدره، و سأله- و كان رجلا داهية و علم بما رأى أنه سيكون له نبأ- فقال: اكتب لي أمانا، فكتب له (صلى الله عليه و سلم)، فانصرف و خلف حظّه خلفه و هداه وراء ظهره، و اللّه غالب على أمره.
١٠٨٩- و منها: أن أبا جهل عدوّه الذي حاربه و اغتر في إطفاء نوره و قلقل في الأرض التثريب عليه، اشترى من رجل طارئ بمكة إبلا فبخسه أثمانها و لوّاه بحقه، فأتى نادي قريش مستجيرا بهم، و راجيا لرفدهم، فذكرهم حرمة البيت، و واجب حق من لجأ إليه، فأحالوه إلى النبي (صلى الله عليه و سلم) استهزاء به لقلة منعته عندهم، و لكثرة أعوان عدوّه عليه، فأتاه مستجيرا به، فمضى معه، و دق الباب على أبي جهل، فعرفه، فخرج منخوب العقل، منقسم اللّب، فقال: أهلا بأبي القاسم- قول باخع ذليل- فقال: اعط هذا حقه، قال: نعم، فأعطاه من فوره، و كان الذي لا يصطلى بناره شرارة و جرأة و عتوا، فلما أتى قومه عيّروه فقال:
إني رأيت ما لم تروا، رأيت و اللّه على رأسه تنينا فاتحا فاه، قوله: «و كان رجلا داهية»:
لما وقر في قلبه، و وقع في نفسه من صدق النبي (صلى الله عليه و سلم) كما بينه شعره لأبي جهل، و مع ذلك أخر إسلامه، فلم يسلم إلّا يوم الفتح، و ظهر دهاؤه حين طلب من النبي (صلى الله عليه و سلم) أن يكتب له كتابا.
(١٠٨٩) قوله: «اشترى من رجل طارئ»:
القصة هاهنا بالمعنى، و قد أخرجها بطولها: ابن إسحاق في سيرته [/ ١٩٥]، و من طريق ابن إسحاق أخرجها أبو نعيم في الدلائل [١/ ٢١٠] رقم ١٦١، و البيهقي [٢/ ١٩٣]، و أبو القاسم الأصبهاني كذلك برقم ٢٦٤.
قوله: «تنينا فاتحا فاه»:
في الرواية: فخرجت إليه و إن فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل-