إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع - المقريزي، تقي الدين - الصفحة ٣٤ - و أما استجابة دعاء سعد بن أبي وقاص
عنه فعزله عنه و استعمل عليهم عمارا، فشكوه حتى أنهم ذكروا أنه لا يحسن يصلّى، فأرسل اليه.
فقال: يا أبا إسحاق إنهم يزعمون أنك لا تحسن تصلّى، فقال: أما أنا فإنّي كنت أصلّى بهم صلاة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما أخرم عنها، أصلّى صلاة العشي، فأركد في الأولين و أخف في الأخريين. قال: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق، و أرسل معه رجلا أو رجالا إلى الكوفة فسأل عنه أهل الكوفة، فلم يدع مسجدا إلا سأل عنه، و يثنون معروفا، حتى دخل مسجدا لبني عبس، فقام رجل منهم يقال له أسامه بن قتادة يكنى أبا سعدة، فقال: أما إذ نشدتنا، فإن سعدا كان لا يسير بالسرية، و لا يعدل في القضية، قال سعد: أما و اللَّه لأدعون بثلاث: اللَّهمّ إن كان عبدك هذا كاذبا قام سمعة و رياء فأطل عمره، و أطل فقره، و عرضه بالفتن، و كان بعد إذا سئل يقول شيخ كبير مفتون: أصابتنى دعوة سعد. قال عبد الملك:
فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، و إنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن.
[ ()] الجليل بكنيته، و الاعتذار لمن سمع في حقه كلام يسوؤه. و فيه الفرق بين الافتراء الّذي يقصد به السب، و الافتراء الّذي قصد به دفع الضرر، فيعزر قائل الأول دون الثاني، و يحتمل أن يكون سعد لم يطلب حقه منهم أو عفا عنهم، و اكتفى بالدعاء على الّذي كشف قناعة في الافتراء عليه دون غيره، فإنه صار كالمنفرد بأذيته. و قد جاء في الخبر: «من دعا على ظالمه فقد انتصر» فلعله أراد الشفقة عليه بأن عجل له العقوبة في الدنيا، فانتصر لنفسه، و راعى حال من ظلمه، لما كان فيه من وفور الديانة، و يقال: إنما دعا عليه لكونه انتهك حرمة من صحب صاحب الشريعة، و كأنه قد انتصر لصاحب الشريعة. و فيه جواز الدعاء على الظالم المعين بما يستلزم النقص في دينه، و ليس هو من طلب وقوع المعصية، و لكن من حيث أنه يؤدى إلى نكاية الظالم و عقوبته و من هذا القبيل مشروعية طلب الشهادة، و إن كانت تستلزم ظهور الكافر على المسلم.
و من الأول قول موسى (عليه السلام): رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَ اشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ. و فيه سلوك الورع في الدعاء، و استدل به على أن الأولين من الرباعية متساويتان في الطول. (فتح الباري).