العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤١ - رأي الفلسفة اليونانية مذهب سقراط و أفلاطون
المتعلمون لهذا الفن جادة الاعوجاج لتقصيرهم أنفسهم.
فأجابه سقراط بأن عدم تعليم ما هو حق و خير و حسن و ما هو قبيح و سيء هو الذي يوجب ذلك، و دلّل على ذلك أن الخصم يقرّ أن الخطيب له القدرة على اقناع المرضى في الجسم بمواصفات الطبيب على العكس من الطبيب نفسه و ذلك بحرفة الخطابة و خداعها مع أن العالم بأن الخطيب لا طبابة له لا يتأثر منه بقدر ما يتأثر من الطبيب العالم بالطبابة و هذا يكشف عن أن قدرة الخطابة هي على الجهلاء و من ثمّ يحاول سقراط أن يثبت أن الخطباء إن لم يسلكوا جادة الصواب و الحق في ما هو عدل و ظلم فهم أضعف الناس و ذلك بأن يرومون ما هو خير لأنفسهم بتخيلهم و لكنهم في الواقع يرومون ما هو شرّ و قبيح لعدم علمهم بالواقع و شدّد على هذا المطلب لأن الخطابة آنذاك كانت الوسيلة للحكام المستبدين في اليونان، فذكر أن الظالم أضعف الناس و برهن على ذلك أن المرتكب للظلم يروم الخير لنفسه و لكنه يتخيل أن القتل و السرقة و نحو ذلك خير له مع أنها شرّ له لأنها ظلم و الخير في العدل، فهو أبعد ما يكون عن ما هو خير لنفسه فلذا يكون أضعف الناس و ذكر أن فاعل الظلم أسوأ حظّا من المظلوم.
و حينذاك أخذ الخصم الآخر لسقراط الذي يدعى پولوس في المحاورة بضرب مثال لرئيس مستبد وصل إلى السلطة عن طريق الظلم و كان من قبل رقّا لأسياد، و أنه لو لم يفعل ذلك لبقي في الرق فهل يمكن القول بأن ظلمه هذا سوء حظّ و أنه لو سار على العدل و بقي رقّا كان أحسن حظّا، و كيف يقال إن الظلم حينئذ قبيح و سيء و العدل حسن و جميل.
فأجابه سقراط أن ما ذكره ليس إلا خطابة فيها تهييج للأحاسيس و لا تتضمن دليلا و أنه ما دام لم يبرهن له على ما يعتقده فلا يثمر البحث، ثم ذكر أن الظالم الذي لا يجازي [١] بالعقوبة أسوأ من الذي يجازى.
[١] بالبناء للمفعول.