العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٨١ - ولاية التشريع لمن تكون؟ ولاية التشريع لمن له ولاية تكوينية
و لكن هناك أيضا قضايا حقيقية مقيدة غير دائمة، فالقضية العقلية التي تتكفل بالحكاية عن صنف من نوع معين في زمن معين في ما هي خصائصه و لوازمه و أحكامه، فهذه قضية حقيقية صادقة و لكن صدقها و حقيقتها محدودين بأمد معين، و أما إذا اتخذت قضية حقيقية صدقها أبدي أو أزلي أو دائم، فسوف تكون حقيقتها و صدقها أكثر سعة و دواما و شرفا و لذلك يقولون من أن القضايا الحقيقية التي تعنى بشؤون أو صفات الباري أكثر صدقا من القضايا الحقيقية التي تعنى بشؤون المخلوقات و لو كان أشرف المخلوقات، لأن القضايا العقلية التي تحكي عن أحكام الباري و عن الصفات التكوينية تكون جهة قضيتها هي الأزل و الأبد و السرمد للباري، بينها الجهات التي تكون في القضية التي تحكي عن الصفات و أحكام الممكنات هي الضرورة بالغير لا بالذات و الضرورية بالغير أقل صدقا من الضرورة الذاتية الأزلية و لذلك نلاحظ الأشاعرة في قوله تعالى: وَ مَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا فهذا لا يعني أن كل غير اللّه كاذب و إنما المقصود منها أن محدودة و منطقة الصدق في قول اللّه هي أكثر سعة من محدودة و منطقة الصدق في قول غير اللّه أي المقصود منه أنه قد تكون القضايا الحقيقية تعكس عنه صدق متسع أكثر دائرة و قد تعكس عن منطقة صدق أقل دائرة.
و في هذا الوجه الثاني يتضح لنا أن في الجهاز الوجودي الإنساني في النصف الأول منه في المراحل القلبية لا يكون في مطلق الأفراد سليما و مأمونا، و إن كان على ذي درجة عالية، فلا يكون مطلق الأفراد في السنن و التشريعات صائبا، بل احتمال الخطأ و الخضوع للنزعات النفسانية على حاله، و من ثم قالوا إن الولاية التشريعية تابعة للمقام الخاص التكويني و هي العصمة.
و الوجهان المتقدمان يدلان على أن صلاحية التشريع و التقنين للذي له المقام الخاص التكويني و يدلان على أن هذا المشرع غضبه عاكس عن غضب اللّه و رضاه،