العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٥٧ - حقيقة تاريخية
كما مرّ فامكن أن يقال: لم اختار هذا دون ذلك، و أيضا لا نسلم أنهم لا يقولون بالحسن و القبح العقليين فإنّ الحسن و القبح العقليين يطلقان على ملائمة الطبع و منافرته، و على كون الشيء صفة كمال أو صفة نقصان، و على كون الفعل موجبا للثواب و العقاب و المدح و الذم. و لا نزاع في الأولين إنّما النزاع في المعنى الأخير.
فيتجه أن يقال: اللّه تعالى كامل بالذات خير بالذات فكيف يوجد منه الشر و الناقص و إليه أشار بقوله إنّما يبحثون عن كيفية صدور الشر عمّا هو خير بالذات. و لا خفاء في أنّ اندفاع الشبهة يتوقّف على المنعين جميعا. و إنّما اقتصر على المنع الثاني تعويلا على ما سبق في تحقيق الاختيار ...».
ثم لخصّ المسألة و ذكر خلاصة جواب شبهة وقوع الشر «أنّه لا يجوز أن يترك الخير الكثير لأجل الشر اليسير».
حقيقة تاريخية:
أقول: إنّ عدّ الاطلاقات الثلاثة للحسن و القبح متباينة، و مختلفة الموارد لم يكن له أثر في كلمات الفارابي و من قبله من أهل هذا الفن، بل هم يعدّونها متساوقة، و يقررون و يقيمون حدّ المدح و الذم بالاتصاف بالكمال و النقص و النفع و الضرر كما مرّ كرارا في كلماتهم التي سبق نقلها.
و إنّه عندهم لا مدح و لا حمد و لا تمجيد و لا ثناء و نحوها إلّا بالكمال و النفع، و لا ذمّ و لا قدح و لا تعييب إلا بالنقص و الضرر و الفساد. و إنّ الملائمة و المنافرة من لوازم الشيء بلحاظ كونه كمالا بشيء آخر أو نقصا له، و اللطيف في المقام أن الخواجة و القطب (قدهما) فسّرا الشر في القسم الثاني بالأفعال المذمومة مثل الظلم و الزنى و الملكات الذميمة.