العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٧١ - ملخص الجواب عن الاثارة الثانية
أولا: في أن البنية التحتية للأحكام الشرعية الثابتة و هو الحسن و القبح العقليان برهانية فلا تبدل و لا تغير فيها.
و ثانيا: إن منشأ الحاجة إلى الاعتبار هو محدودية العقل البشري، فهذه المحدودية باقية و إن ازدادت عقلية العقل البشري بالتجارب إلا أن اعتراف البشر و اذعانهم بأنه كلما ازددنا تجربة ازددنا بصيرة بالواقع، و أن هناك كليات عقلية يدركها العقل، و هناك كليات لا يدركها متوسطة إلى أن تصل الجزئيات، كلما ازداد البشر تجربة، ازداد بصيرة بكيفية تنزل جهات الحسن و القبح أو جهات المضرّة و المنفعة أو جهات المصلحة و المفسدة، فبازدياد التجربة، يزدادون احاطة، و لكنها غير تامة مع ذلك و لذلك يواصلون التجربة بنحو دائب إذعانا بعدم الوصول التام. و إذا لم تكن الاحاطة تامة، فيتوصل البشر إلى عناية اللّه عزّ و جلّ، فلا بد من عناية منه بأن سنّ لهم تشريعات ثابتة في تلك المنطقة التي لا تدركها عقولهم المحدودة، و إذا كان منشأ الحاجة للاعتبار هو محدودية العقل البشري، هذا الخالق الذي قد برع و حيّر العقول في ايجاد نظم بارع من أصغر و أحقر مخلوق إلى أشرف و أحسن مخلوق، فأتقن خلق كل شيء و أحسن خلق كل شيء، فها هو العلم يعجز عن اكتشاف الدقة اللامتناهية في المخلوقات و في النظم، فكيف لا يحيط الخالق بما هو مدارج الكمال لأشرف مخلوق و هو الإنسان و معارج الكمال له؟ الحدس الفطن يسلّم بذلك، و لا بد من أن يتقن له.
و عليه فلا بد أن تكون التشريعات عند من يحيط أزلا و أبدا بكل جهات الأفعال و يحيط استقبالا و حالا و ماضيا بكل الأفعال، و يحيط بان الفعل الواحد إذا تموّج خلال الاجيال التاريخية و البشرية كيف تكون تموجاته و آثاره، فلا بد له من احاطته لجهات الحسن و القبح المتسلسلة عبر حلقات الأفعال لا الاحاطة بجهات الحسن و القبح النفسي الموضوعية أو الذاتية لذات الفعل فقط، و هذه الدائرة لجهات الواقع لا يحيط بها إلا خالق الكون، فهو الذي يسنّ تلك التشريعات.