العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢١٦ - المعصية المذمومة في الشرع هي حيثية عدمية و نقص
عن شعور بما يصدر عنها (كما ذهبت إليه أو ساخ الدهرية و الطباعية) بل النظام المعقول المسمّى عند الحكماء بالعناية مصدر لهذا النظام الموجود فيكون في غاية ما يمكن من الخير و الفضيلة، فعلى هذا يلزم أن لا يكون في هذا العالم بالنظر إلى الأسباب و العلل أمر جزافي أو اتفاقي بل كلّه ضروري فطري بالقياس إلى طباع الكل سواء أ كان طبيعيا بحسب ذاته كحركة الحجر إلى أسفل أو قسريا كحركته إلى فوق أو إراديا كحركة الحيوان على وجه الأرض إذ كل ما يحدث في عالم الكون فيجب عن سبب، إذ الشيء ما لم يجب لم يوجد و يرتقي سلسلة الأسباب إلى مبدأ واحد يتسبب عنه الأشياء على كيفية علمه بها و حكمته و عنايته».
و قال [١] في العناية في خلق الإنسان: «ثمّ أنّك قد علمت أن لك قوة طبيعية بها تشارك النبات و هي منبثة في جميع البدن منبعها الكبد و قوة أخرى تشارك الحيوان منبثة في الأعضاء تشارك بها الحيوان كلّه و منبعها القلب و قوة أخرى نفسانية أخص منها تشارك بها بعض الحيوان منبعها الدماء، و أخرى أشرف ممّا سبق كلّه لا تشارك بها الحيوان بل الملائكة فقط، فاعطاك اللّه بحسب كلّ منها أخذا و تركا للمنافع و المضار، فاللذان بحسب القوة الأولى يسميان بالجذب و الدفع و اللذان بحسب القوة الثانية يسميان بالميل و النفرة، و اللذان بحسب القوة الثالثة يسميان بالشهوة و الغضب و اللذان بحسب القوة الرابعة يسميان بالإرادة و الكراهة فخلقها اللّه فيك مسخرتين تحت إشارة العقل المعرف للعواقب، كما خلق الشهوة و الغضب مسخرتين تحت إدراك الحسن فتم بها انتفاعك بالعقل إذ مجرد المعرفة بأن هذا يضرك و هذا ينفعك لا يكفي في الاحتراز عنه أو في طلبه ما لم يكن لك إرادة بموجب المعرفة أو كراهة و بهذه الإرادة افردك اللّه عن البهائم إكراما و تعظيما لبني آدم، كما افردك عنها بمعرفة العواقب».
[١] الاسفار: ٧/ ١٣٣.