العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٣٥ - من الممكن
و مع ذلك فإن وجود الشر في الأشياء ضرورة تابعة للحاجة إلى الخير، فإن هذه العناصر لو لم تكن بحيث تتضاد و تنفعل عن الغالب، لم يمكن أن تكون عنها هذه الأنواع الشريفة ... فإفاضة الخير لا توجب أن يترك الخير الغالب لشر يندر، فيكون تركه شرا من ذلك الشر، لأن عدم ما يمكن في طباع المادة وجوده إذا كان عدمان شرا من عدم واحد، و لهذا ما يؤثر العاقل الاحتراق بالنار بشرط أن يسلم حيا على الموت بلا ألم. فلو ترك هذا القبيل من الخير لكان يكون ذلك شرا فوق هذا الشر الكائن بإيجاده، و كان مقتضى العقل المحيط بكيفية وجوب الترتيب في نظام الخير أن يعقل استحقاق مثل هذا النمط من الأشياء وجودا مجوزا ما يقع معه من الشر ضرورة، فوجب أن يفيض وجوده ...
بل نقول من رأس: إن الشر يقال على وجوه، فيقال شر للأفعال المذمومة، و يقال شر لمبادئها من الأخلاق، و يقال شر للآلام و الغموم و ما يشبهها، و يقال شر لنقصان كل شيء عن كماله و فقدانه ما من شأنه أن يكون له فكأن الآلام و الغموم، و إن كانت معانيها وجودية ليست اعداما، فإنها تتبع الإعدام و النقصان، و الشر الذي هو في الأفعال هو أيضا إنما هو بالقياس إلى من يفقد كماله بوصول ذلك إليه مثل الظلم أو بالقياس إلى ما يفقد من كمال يجب في السياسة الدينية كالزنى، و كذلك الأخلاق إنما هي شرور بسبب صدور هذه عنها و هي مقارنة لإعدام النفس كمالات يجب أن تكون لها، و لا تجد شيئا مما يقال له شر من الأفعال إلا و هو كمال بالقياس إلى سببه الفاعل له، و عسى إنما هو شر بالقياس إلى السبب القابل له، أو بالقياس إلى فاعل آخر يمنع عن فعله في تلك المادة التي هو أولى بها من هذا الفعل، فالظلم يصدر مثلا عن قوة طلابة للغلبة و هي الغضبية مثلا، و الغلبة هي كمالها، و لذلك خلقت من حيث هي غضبية، يعني أنها خلقت لتكون متوجهة إلى الغلبة، تطلبها و تفرح بها، فهذا الفعل بالقياس إليها خير لها، و إن ضعفت عنه، فهو بالقياس إليها شر لها، و إنما هي شر