العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٤٢ - أدلة المنكرين للتحسين و التقبيح العقليين
يتعدى عليه ينفعل منه و ينزجر منه و كذلك إذا أحسن إليه شخص فهو مجبول على مدحه و التمايل إليه. و هذا منشأ حيواني و تابع للقوى الحيوانية كالرأفة لا القوى العقلية و الحال أن الكلام في المدح و الذم الناشىء من القوى العاقلة و ما تدركه القوة العاقلة.
و أما الغاية و ذو الغاية، فهذا أمر مسلّم به لكن لا يدلّ إلا على الاعتبار، لأن العقلاء غايتهم من التحسين بالنسبة إلى الفعل الذي لم ينوجد هو إرادة البعث إلى ايجاده. فهذا لا غبار عليه، و لكنه اعتباري باعتبار أن العقلاء يحثّون بعضهم البعض على إيجاد الفعل الحسن و تجنب الفعل القبيح بتوسط المدح و الذم، و هذا جعل من العقلاء لأجل التوقّي من الأفعال القبيحة و ارتكاب الأفعال الحسنة و هذا لا من باب المنشأ التكويني، بل لأجل هدف و هو الوصول إلى مصالحهم و كمالاتهم الاجتماعية، فالحسن و القبح إما تكويني و لكن حيواني، و إما عقلي غائي و لكن جعل اعتباري.
السادس: لو ادّعى أن الحسن و القبح تكوينيان فهو لا يخرج عن أحد البديهيات الست أما الأوليات و هي التي يحكم بها العقل بمجرد تصور الطرفين بالملازمة، و الحال أن الحسن و القبح ليسا كذلك بل فيه اختلاف كثير، و لا هو من الفطريات و لا من التجربيات، لأنه ليس عرضا على المعروض في الخارج، بل هو قائم بالمادح و الذامّ و ليس من العينيات الخارجية، و ليس من المشاهدات، و لا من الوجدانيات، لوجود الاختلاف الكثير فيه بين الناس فهو خارج عن البديهيات.
السابع: إن المدح و الذم عند العقلاء أمر إنشائي، فيقال مدح فلان فلانا أي أنشأ كلاما مقالا يثني به، و الإنشاء هو الاعتبار و الوجود الفرضي و ليس أمرا تكوينيا خارجيا، فهو غير الكمال و النقص و غير الملائم و المنافر، بل هو أمر قائم بالمدح و الذم الاعتباريين، فهو من سنخ الإنشائيات و الاعتباريات.
الثامن: إن حسن العدل و قبح الظلم- لا سيما على القول بأن العدل هو أمّ الأفعال الحسنة و الظلم هو أمّ الأفعال القبيحة- موضوعهما العدل و الظلم و ماهية هذين