العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٦٥ - ب- مناقشة الدليل السادس للأصفهاني
يرجع بدوره إلى اختلاف العقول البشرية و تفاوتها، و ليس بسبب عدم واقعية المدرك و عدم حقيقته ...
فالاختلاف في المدح و الذم زمانا و مكانا، على حدّ الاختلاف في سائر الحقائق العلمية، يرجع إلى قصور الادراك البشري لا إلى تغير و عدم ثبات المدرك.
٢- إن عناوين الأفعال الكمالية و عكسها تختلف بالنسبة إلى المدح و الذم ...
فبعضها يكون علة تامة للمدح و الذم ... و أخرى تكون مقتضية للمدح و الذم ما لم يمنع مانع ... و ثالثة ... تكون لا بشرط فإذا اندرجت في عنوان حسن ثبت لها المدح، و إذا اندرجت في عنوان قبيح ثبت لها الذم ... و إن لم تندرج تحت أحدهما لم تكن حسنة و لا قبيحة ... و من هنا يعرف أن الاختلاف و التغيير يكون في القسم الثالث و شطر من القسم الثاني، لا في الحسن و القبح بشكل مطلق.
توضيح الفكرة أكثر: إن العقل العملي لا يتعاطى في عمله الإدراكي مع الجزئيات، و إنما يختص بادراك الكليات ... و الكليات منها ما هو عام، و منها ما هو متوسط، و الجزئيات يتحدد وضعها من خلال الكلي المتوسط- و الذي هو بدوره يحسم أمره من خلال انتسابه إلى الكلي العام- الذي ننتسب إليه، لا من خلال ماهياتها الخاصة فإذا كان الفعل الجزئي ضمن شروط معينة من زمان و مكان و غيرها يساهم في تحصيل الكمال، إتصف بالحسن لاندراجه تحت العناوين الكمالية ...
فلو تغيرت الشروط و أصبح تأثير الفعل عكسيا لا تصف بالقبح ... و من هنا لم تكن الجزئيات ثابتة الحسن أو القبح- لعدم ثبوت الحسن أو القبح لها بماهياتها الخاصة- و إنما هي متغيرة و متلونة حسب طبيعة الظروف المحيطة بها ...
و أما الكليات المتوسطة فهي التي تقتضي الحسن و القبح بماهياتها النوعية شريطة عدم المانع من تأثيرها ... كالصدق و الكذب ... و بالتالي فهي متغيرة و لكن تغيرها منتظم و منضبط و ليست كسابقتها.