العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٣٥ - أما عن سبب عدول ابن سينا عن مبنى القدماء؟
مثل الإشارات و الشفاء و النجاة أنها موضوعة لترجمة و بيان مباني القدماء من المشائين، و الذي يأتي بعده لا يلتفت إلى أن هذه المسألة خلافية لعدم إشارة ابن سينا إلى ذلك، لشدة الثقة العلمية بابن سينا.
و ابن سينا مع كونه مترجما لما سبق، إذا أراد أن يثير رأيا جديدا من نفسه- سواء في هذه الكتب المعدّة لترجمة مباني القدماء من الفلاسفة أو في غيرها- فإنه ينبه إلى أن هذا مما وفقه اللّه للاستدلال عليه، و أما إذا لم ينبه إلى أنه هذا رأي مختص به، فقارىء هذه الكتب من الفلاسفة المتأخرة كالشيخ الإشراقي و الخواجة و صاحب حكمة العين و الفخر و الملا صدرا يتبادر إليهم أن هذا قول القدماء. و هو في كتاب الإشارات في مبحث النفس ذكر أنهما من المشهورات و الآراء المحمودة التي لا واقع لها وراء تطابق العقلاء و إنما هي باعتبار العقلاء فقط، و لو أنه نبّه إلى هذا الرأي في مثل كتاب التعليقات أو حكمة الشرقيين اللذين هما كتابان موضوعان لأجل آرائه الخاصة لعلم أن هذا الرأي يختص به و لا ينسحب إلى الفلاسفة القدماء و لكن حيث إنه وضعه في الكتب المعدّة لترجمة مباني الفلسفة القديمة فأوجب ذلك مثل هذا الايهام.
أما عن سبب عدول ابن سينا عن مبنى القدماء؟:
فهو مغالطة أبي الحسن الأشعري و هو متقدم قرابة قرنين على ابن سينا إذ المدرسة الأشعرية الكلامية قد أحدثت مغالطة- كما سيأتي- و هي التفكيك بين معاني الحسن و القبح حيث إنها ذكرت لهما معاني منها الذم و المدح و الكمال و النقص و الملائم و غير الملائم و المنافر و غير المنافر. و هذه المعاني حيث إن الأشعري لا يستطيع أن ينكرها فتوصل إلى إنكار معنى آخر للحسن و القبح و هو المدح و الذم و قال:
إن هذا المعنى لا يلازم و لا هو عين بقية معاني الحسن و القبح، و لا يحكم بهما العقل المجرد، فابتدأت المدرسة الأشعرية في انكار الحسن و القبح بمعنى المدح و الذم و أثارت التفكيك بين معاني الحسن و القبح، ثم وصلت النوبة إلى ابن سينا فوجد أن