العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٥٥ - موازنة ما أفاده (قده)
الاختلاف في المدركات فنظرية تارة و عملية أخرى، و إذا كان الحال كذلك و كانت مدركات العقل العملية كلّها قضايا من مواد مشهورة غير بديهية فكيف يمكن للعقل اقامة برهان ما في هذا الباب فلا بد مع هذا الاعتراف تبعا للشيخ الرئيس [١] و الخواجة نصير الدين الطوسي من امكان اقامة البرهان على بعضها من وجود بعض القضايا البديهية في هذا الباب و إلا فكيف يتمكن من اقامته و من ثمّ ذكرنا فيما تقدم أن الشيخ الرئيس و إن كان أول من أبدى و أظهر الخلاف في الحكم بالبداهة في الحكماء تبعا لما أتى به الشيخ الأشعري من المغالطة في الباب، إلا أنّه مع اعترافه بامكان اقامة البرهان على بعض تلك القضايا في باب العقل العملي، يكون قد أقرّ لوجود مواد بديهية هي الأس في الأقيسة البرهانية الممكن اقامتها في هذا الباب، و بالتالي فهو لا يذهب إلى كون جميع قضايا العقل العملي داخلة في المشهورات فقط بل بعضها داخل في البديهيات أيضا، و قد دللنا على أن هذا مذهب الشيخ الرئيس من نصوص كلماته فراجع.
الثاني: كون العدل مشتمل على المصلحة و الكمال و الظلم مشتمل على المفسدة و النقص، و أن الأول ملائم للقوة، بحسب كونه كمالا لكل منها، و الثاني منافر لها لكونه نقصا لها و لذلك يحب الإنسان العدل لما فيه من المصلحة العامّة، و ينفر من الظلم لما فيه من المفسدة العامّة، فمع هذا الاعتراف يلزمه تخطئة ما تابع فيه الشيخ الرئيس من أن قبح الظلم و حسن العدل إنّما يقضي بها الإنسان للانفعال و للعادة التي نشأ عليها و تعوّد عليها من تكرار التأديب، إذ الاعتراف المزبور يقضي بأن نفرة الإنسان من الظلم لحيثية واقعية في فعل الظلم، و أن حب الإنسان للعدل لحيثية واقعية في فعل العدل لملائمة الكمال للقوى و منافرة النقص لها، لا لكون ذلك انفعالا، أو عادة موضوعة جعلية، هذا و كذلك يلزمه الاعتراف بقبح الظلم و حسن العدل بالمعنى المتنازع عليه و هو صحّة الذم و صحّة المدح، فإن الذم حدّه الماهوي هو الإخبار
[١] و قد تقدم نقل عبارته المتضمنة لذلك عند استعراض مذهبه في المسألة فراجع.