العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٨٢ - ولاية التشريع لمن تكون؟ ولاية التشريع لمن له ولاية تكوينية
فذلك الرضا و الغضب و الحركات و السكنات و الإرادة و العزائم إلهي تشريعي، لكن الوجه الآتي دال على ضرورة ذلك.
الوجه الثالث: إن المعاني العقلية و ما فوقها من الحقائق لا ريب أنها إذا تنزلت في الإنسان الكبير و هو عالم الكون و كذا إذا أريد تنزل المشيئات للباري عزّ و جلّ- كما هو متسالم بين كل مدارس المعارف مطلقا إجمالا- أن تنزل المشيئة الإلهية أو تنزل العلم الرباني الذاتي يتم بالعلم ثم المشيئة ثم الإرادة ثم القضاء ثم القدر بمعنى الابرام.
فالإيجاد في عالم المادة يتسلسل في ترتيب معين، فكذلك في الإنسان الصغير، و بعبارة أخرى، الترتيب في الإنسان الكبير بلحاظ عالم المادة، و هذا الترتيب ليس في أفعال الباري لعجز منه تعالى و إنما منشؤه عدم قابلية و امكان الممكن الموجودي لأن ينوجد إلا بتوسط الترتيب المذكور، فليست القدرة الإلهية محدودة و إنما المحدودية في الموجود للممكن. فعالم الدنيا بلا تقدير لا يمكن حدوثه، و لا بد من تقدير قبله، لأن العالم المادي الجسمي محدود فهو يحتاج إلى مادة و غيرها من الشرائط.
فنفس الموجود المتكون المادي، طبيعته تستلزم له التقدير قبل تكوينه.
فخاصية الموجود المادي أن فرض ذاته و إمكانه و فرض شيئيته لا يمكن إلا بعد فرض سلسلة من أفعال الباري، فليس تدبير الملائكة في الإنسان الكبير أمرا اتفاقيا و اعتباطيا يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ أي لهم نفوس كلية مدبرة و كيفية اصدار تلك النفوس (أفعالا هي بهذا التنزل أيضا علم- شاء أراد- قضاء- قدر) هناك عدة مراحل.
فيتنزل الأمر في عالم النفوس الكلية ثم في النفوس الجزئية أي في العقل العملي ثم مرحلة التردي، ثم قوة عمّالة أخرى إلى أن يوجد و يصدر كونه، فقضى و قدر و أراد و أبرم كما هو الحال في جهاز الوجود الإنساني.
فكما في الإنسان الكبير الفعل يحتاج إلى المرور بهذه المراحل، و أن طبيعة الفعل و الظاهرة الدنيوية هي المرور بمراحل. و الأمر الرباني يمر بها للقصور في جانب