العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٦٩ - الاعتباريات و الاعتبار
أن هذا المنشأ الثاني في التغيير ليس يوجب جعل الحكم الثانوي حكما دائما و أبديا و يقلبه من حكم أوّلي إلى حكم ثانوي، بل يبقى الحكم الأوّلي على حاله بل في ظرف تواجد موضوع العنوان الثانوي من حرج أو ضرر أو تزاحم يتبدل إلى حكم ثانوي لا دائما، و إلا لو كان على نحو الدوام لكان وضعه كحكم أوّلي من قبل الشارع الذي قد افترض أنه محيط بالجهات الواقعية لا جاهل بالجهات الواقعية، مع أن الفرض أن الشارع وضعه عن علم و قلنا إن الكليات العقلية لا تبدل فيها.
فالفرض أن التشريعات الفوقانية تعكس عن جهات واقعية كلية معقولة و القضية و المعنى الحقيقي الكلي لا تبدل فيها، نعم في كيفية تنزله قد يتصادم مع كلي آخر إلا أن هذا التصادم ليس بدائم. بل ظرفي.
أيضا هناك منشأ آخر للتبدل و التغير و هو ليس في الواقع بمنشأ حقيقي و هو كيفية احراز التقنين، سواء التقنين الوضعي أو التقنين السماوي الإلهي- فمثلا في الدستور الفرنسي القضاة يختلفون في فهم مادة من مواد الدستور أو الحقوقيون الفرنسيون يختلفون في فهم تلك المادة، فهذا نوع من الاختلاف في التشريع إلا أنه اختلاف في الفهم و الاحراز و ليس هو اختلاف في نفس مادة التشريع، فهذا الاختلاف لا يتناول الكليات الفوقانية حيث إن الكليات الفوقانية يعترض الثبات، و كلما كان بمعنى الكلي و كان ذو كلية و ثبت أكثر، فوضوحه و بداهته أكثر و الخفاء يقلّ و يندر، و كلما تنزل يبدو الخفاء و يزداد الغموض. و لذا ترى أن المبادىء في أي دستور من الدساتير الوضعية تكون واضحة لا خفاء فيها و المواد الأولية- و هي الأمّ- لا خفاء فيها أيضا، بعد ذلك إذا تتنزل تلك المواد إلى البرلمان و من ثم إلى مجلس الوزراء فهذه تحصل فيها اختلاف أكثر فأكثر، لأنها تتداخل الجزئيات بعضها مع بعض، فيكون عنصر الغموض أكثر فأكثر.
و قد يعبر عن هذا أن النفس حيث إنها مجردة أو كلية، فيكون ادراك النفس للكلي