العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٣٧ - أما عن سبب عدول ابن سينا عن مبنى القدماء؟
التفات ما في الجملة، حيث قال: يمكن اقامة البرهان و إن كان هو في بعض عبارته الأخرى يطلق القول بأنهما من المشهورات و لا واقع وراء تطابق آراء العقلاء.
و الشيء إذا لم يكن له واقع وراء آراء العقلاء فكيف يمكن اقامة البرهان عليه و لو على نحو الموجبة الجزئية فبين العبائر نوع تدافع و تهافت. و أن التعريف الصحيح للمشهورات هي التي يتطابق عليها العقلاء من دون القيد المزبور كما ذكر ذلك الفارابي في المنطقيات.
و منذ عهد ابن سينا إلى زمن ملا صدرا ظلت الكلمات متذبذبة على التفصيل تارة بين نمط من المشهورات لا واقع لها و نمط يمكن اقامة البرهان عليها. و تارة أخرى على اطلاق القول بعدم امكان اقامة البرهان عليها تبعا لتذبذب كلمات ابن سينا.
و بعد صدر المتألهين عدا الحكيم اللاهيجي في گوهر مراد و السبزواري في شرح الأسماء الحسنى، ذهب الفلاسفة إلى أنهما اعتباريان مطلقا و لا يمكن اقامة البرهان عليه مطلقا و تبعهم الكمپاني و العلّامة الطباطبائي و المظفر، اعتمادا على بعض عبارات ابن سينا المطلقة.
و النسبة الصحيحة للفلاسفة أن مذهبهم من البديهيات إلى عهد الفارابي ثم تبدل إلى أن بعضها بديهيات و بعضها محل كلام و ترديد، ثم تبدل في العهد المتأخر إلى أنها قضايا اعتبارية محضة و لا يمكن اقامة البرهان عليها.
إلا أن السبزواري و اللاهيجي تنبّها إلى أن الفلاسفة قائلون ببديهية الحسن و القبح و تكوينيتهما و أن تعبير الفلاسفة و تمثيلهم للمشهورات بالحسن و القبح ليس من باب أنهما من المشهورات فقط، بل من باب امكان اندراج القضية الواحدة في قسم من أقسام المواد في الحين الذي تندرج أيضا من حيثية أخرى في قسم آخر منها، فقضية الحسن و القبح من حيثيّة هي من المشهورات و من حيثية أخرى هي من اليقينيات. و هذا ما نبّه عليه الفارابي في منطقياته.