العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٢٨ - شواهد أخرى على ما تقدم معلولية الاستكمال للاجتماع
ثالثها الأفعال التي للإنسان من تصور المعقولات و استنباط الصنائع و الرويّة في الكائنات و التفرقة بين الجميل و القبيح، يقتضي أن التفرقة بين الجميل و القبيح و دركهما في الجملة من فطريات و أوليات النفس الإنسانية كما كان تصور المعقولات في الجملة كذلك. و هذا التقسيم هو الذي مضى في كلام أرسطو و الفارابي و ذكرا أن القوة النظرية تدرك المعقولات و القوة العملية أو النظرية الأخرى كما جاء في بعض تصريحاتهما- منها مهني و منها مرويّة فكرية.
سادسا: (هو العمدة) إن لازم تقريره إمكان برهنة آراء العقل الذائعة المشهورة أن قضاياه محمولاتها و موضوعاتها ترجع إلى قضايا ضرورية و إلا فكيف سبيل البرهان عليها، فلا بد أن الجميل و القبيح يكونان في قضية أولية ضرورين لموضوع ما و من ثم يبرهن ثبوتهما لبقية الموضوعات.
شواهد أخرى على ما تقدم معلولية الاستكمال للاجتماع:
و يقول [١] في (الفصل الأول من المقالة الخامسة من الكتاب المزبور): «إن الإنسان له خواص أفعال تصدر عن نفسه ليست موجودة لسائر الحيوان. و أول ذلك أنه لما كان الإنسان في وجوده المقصود فيه يجب أن يكون غير مستغن في بقائه عن المشاركة و لم يكن كسائر الحيوانات التي يقتصر كل واحد منها في نظام معيشته على نفسه و على الموجودات في الطبيعة له. و أما الإنسان الواحد فلو لم يكن في الوجود إلا هو وحده و إلا الأمور الموجودة في الطبيعة له لهلك أو لساءت معيشته أشد سوء، و ذلك لفضيلته و نقيصة سائر الحيوان على ما ستعلمه في مواضع أخرى، بل الإنسان محتاج إلى أمور أزيد مما في الطبيعة. مثل الغذاء المعمول و اللباس المعمول و الموجود في الطبيعة من الأغذية- ما لم تدبر بالصناعات- فإنها لا تلائمه و لا تحسن معها معيشته. و الموجود في الطبيعة من الأشياء التي يمكن أن تلبس أيضا، فقد تحتاج أن
[١] ص ١٨١- مجلد الطبيعيات- كتاب النفس.