العقل العملي - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٢٩ - شواهد أخرى على ما تقدم معلولية الاستكمال للاجتماع
تجعل بهيئة و صفة حتى يمكنه أن يلبسها. و أما الحيوانات الأخرى فإن لباس كل واحد معه في الطباع، فلذلك يحتاج الإنسان أول شيء إلى الفلاحة و كذلك إلى صناعات أخرى، لا يتمكن الإنسان الواحد من تحصيل كل ما يحتاج إليه من ذلك بنفسه، بل بالمشاركة حتى يكون هذا يخبز لذاك، و ذاك ينسج لهذا، و هذا ينقل شيئا من بلاد غريبة إلى ذلك، و هذا يعطيه بإزاء ذلك شيئا من قريب ...
... و الذي للإنسان (من خواص) فكثير منه للضرورة الشخصية، و كثير لصلاح حال الشخص بعينه. و من خواص الإنسان أنه يتبع إدراكاته للأشياء النادرة انفعال يسمى التعجب و يتبعه الضحك، و يتبع إدراكه للأشياء المؤذية انفعال يسمى الضجر و يتبعه البكاء. و يخصه في المشاركة أن المصلحة تدعو إلى أن تكون في جملة الأفعال التي من شأنه أن يفعلها أفعال لا ينبغي له أن يفعلها، فيعلّم ذلك صغيرا و ينشّأ عليه. و يكون قد تعود منذ صباه سماع أن تلك الأفعال ينبغي أن لا يفعلها، حتى صار هذا الاعتقاد له كالغريزي، و أفعال أخرى بخلاف ذلك، و تسمى الأولى قبيحة، و الأخرى جميلة و ليس يكون للحيوانات الأخرى ذلك، فإن كانت الحيوانات الأخرى تترك أفعالا لها أن تفعلها مثل أن الأسد المعلّم لا يأكل صاحبه و لا يأكل ولده. فليس سبب ذلك اعتقادا في النفس و رأيا، و لكن هيئة أخرى نفسانية، و هي أن كل حيوان يؤثر بالطبع وجود ما يلذه و بقاءه، و أن الشخص الذي يموّنه و يطعمه قد صار لذيذا له لأن كل نافع لذيذ بالطبع عند المنفوع، فيكون المانع عن فرسه ليس اعتقادا، بل هيئة و عارضا نفسانيا آخر و ربما وقع لهذا العارض في الجبلة و من الالهام الإلهي كحب كل حيوان ولده من غير اعتقاد البتة، بل على نوع تخيل بعض الإنسان لشيء نافع أو لذيذ و نفرته عنه إذا كان في صورته ما ينفر عنه.
و الإنسان قد يتبع شعوره بشعور غيره أنه فعل شيئا من الأشياء التي قد أجمع على أنه لا ينبغي أن يفعلها انفعال نفساني يسمى الخجل، و هذا أيضا من خواص الناس.