رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٩٩ - مراسيم تفريق الراتب على العسكر
المعروف عندنا ستمائة ألف ريال كبير، و طال بنا المقام و توجهنا من هنالك، و أخبرنا من تخلف من ورائنا أنه خرج من المال بعدنا مثل ما حضرنا عليه و زيادة، فيصير جملة الراتب عن كل ثلاثة أشهر ما يزيد على المليون، و ينوب في السنة ما يقرب من خمسة ملأين [١٢٥]، و المليون عشرة مائة ألف ريال، و هذا و الله أمر عظيم، فالحمد لله الذي أرانا ما يسر المسلمين و ينكي الكافرين في دولة من دول الإسلام صانها الله تعالى، و ألبسها من جلالته جلالا، و قهر بها جموع الكفرة و أذاقهم بسيوفهم قهرا و وبالا و نكالا، فالله تعالى يصونها من الخلل، و يباعد عنها أهل الرجس و النجس، و العذر و الختل في القول و العمل، و يحفظ قدم سطوتها من كل زلل، بفضله و طوله.
و عندهم من القواعد المقررة و القوانين المسطرة، أن يصنع السلطان طعاما يحضره يوم تفريق الراتب على العسكر، و يحضره قبالة المكان الذي يفرق فيه المال، و السلطان حينئذ من الرجا و الخوف، لا يستقر فؤاده- ٥٣- في جوف، لأن من عادتهم إذا حضر الراتب ليفرق على العسكر و ذي المناصب و المراتب، و أحضر الطعام كما سبق به الإلمام، فإن بادر العسكر لأكل ما تهيأ، و لم يظهروا انحرافا و لا ليا، فما أبرك ما أعطى و ما هيأ، و إن امتنع العسكر من الأكل جهارا، أيقن السلطان بالعزل نهارا و ضاقت عليه الدنيا سوارا، و بلغت الروح التراقي و أعجز ذلك الداء [١٢٦] الراقي، و لم يغن عنه حميم و لا نديم، كدابغة و قد حلم الأديم، و ينصبون من اتفقوا عليه قبل ذلك للخلافة، و العزل بعد الولاية من أعظم آفة، و يجعلون المعزول في موضع المولى في دار يسمونها القفص، يتجرع بالعزل كل غصص. فعند الخليفة يوم تفريق الراتب على العسكر كأنه يوم نكير و منكر.
و يدل على ضخامة هذه الدولة دار ضرب سكتها، فقد دخلناها يوم تفريق الراتب المذكور لأنها بقرب دار السلطان فرأينا ما يسر، فمن آلات الطبع المسماة بالدولاب عشرون.
[١٢٥] يقصد ملايين.
[١٢٦] سقطت من (أ) و وردت في (ب).