رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٣٤٢ - وصف رقيق لمدينة مكناس و أحوالها
تفريع، اعتدل فيها الزمان و انسدل الأمان، و فاقت الفواكه و لا سيما الرمان، و حفظ أقواتها الإختزان و لطفت فيها الأواني و الكيزان، و دنا من الحضرة جوارها، فكثر قصادها من الوزراء و زوارها، و بها المدارس و الفقها و لقصبتها الأبهة، و المقاصر و الأبها (كذا)، انتهى.
و يعني بالحضرة مدينة فاس المحروسة لأنها إذ ذاك كرسي الخلافة، و مكناسة مقر الوزارة، و أهل المغرب يعبرون عن المدينة التي فيها كرسي الخلافة بالحضرة.
قلت دخلت مكناسة هذه مرارا عديدة، و قد أبلى الدهر محاسنها التي كانت في زمن لسان الدين بن الخطيب جديدة، و استولى عليها الخراب و تكدر منها بالفتن الشراب، و عاث في ظاهرها الأعراب و في باطنها سماسرة الفتنة العائقة عن كثير من الأراب، حتى صار أهلها حزبين و لبس كثير من أهلها ثياب البعد عنها و البين، و الله يجبر حالها و يعقب بالخصب أمحالها، و يرحم الله ابن جابر إذ قال:
لا تنكرن الحسن من مكناسة* * * فالحسن لم يبرح بها معروفا
و لئن محت أيدي الزمان رسومها* * * فلربما أبقت هناك حروفا
قلت و هي الآن على ما ذكر من الأوصاف مع تهدم الأطراف، و وقوع بعض الخراب و سكنى الأعراب، و الله تعالى يجبر حالها و يحفظ أسرها، و يعافيها- ٣٢٠- من اختلالها و يشفيها من اعتلالها. فبتنا يوم سافرنا من حضرة فاس بوادي الجديدة مع أشواق جديدة، عند بعض العشائر من البربر آيت يمور فأكرمونا، و بتنا عندهم في ضيافة و حراسة من آفة، إلى أن صلينا المكتوبة و قربت إلينا المركوبة، و سرنا و الأحباب و الأهل و الأصحاب و الجيران يتلاقونا أفواجا أفواجا، إلى أن دخلنا دار مثوانا، فحفت بنا الأهل ولدانا و إخوانا، و حشم و خدم و من تركناه في العدم، و حفوا بنا مستبشرين فرحين مسرين منشرحين، ألبسهم الله تعالى السرور زيا، و عوضهم عن ظمأ الفراق من التلاقي ريا، فأنشدتهم بعد أن نبهتهم لحمد الله على جمع شملنا و أرشدتهم،