رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٣٤١ - وصف رقيق لمدينة مكناس و أحوالها
ما شئت من أبواب نحاسية و برك فياضة، تقذف فيها صافي الماء أعناق أسدية، و فيها خزائن الكتب و الجراية الذارة على العلماء و المتعلمين. و تفضل هذه المدينة كثيرا من لذاتها بصحة الهوى، و تبحر أصناف الفواكه و تعمير الخزين، و مداومة البر لجوار ترابها سليما من الفساد معافا من العفن،- ٣١٨- إذ تقام ساحات منازلها غالبا على أطباق الآلاف من الأقوات، تتناقلها المواريث و يصحبها التعمير و تتجافى عنه الأرض، و محاسن هذه البلدة المباركة جمة، قال ابن عبدوس من أهلها و لله ذره:
إن تفتخر فاس بما في طيها* * * و بأنها في زيها حسناء
يكفيك من مكناسة أرجاؤها* * * و الأطيبان هواؤها و الماء
و يسامتها شرقا جبل زرهون المنبجس العيون، الظاهر البركة المتزاحم العمران الكثير الزياتين و الأشجار، قد جلله سكرا و رزقا حسنا، فهو عنصر الخير و مادة المجبى، و في المدينة دور نبيهة و بنى أصيلة، و الله سبحانه ولي من اشتملت عليه بقدرته، و فيها أقول:
بالحسن من مكناسة الزيتون* * * قد صح عذر الناظر المفتون
فضل الهوى و صحة الماء الذي* * * يجري بها و سلامة المخزون
سحت عليها كل عين ثرة* * * للمزن هامية الغمام هتون
فاحمر خد الورد بين أباطح* * * و افتر ثغر الزهر فوق غصون
و لقد كفاها شاهدا مهما ادعت* * * قصب السباق القرب من زرهون
جبل تضاحكت البروق بجوه* * * فبكت عذاب عيونه بعيون
و كأنما هو بربري نافذ* * * في لوحه و التين و الزيتون
حييت من بلد خصيب أرضه* * * مثوى أمان أو مناخ أمون
وضفت عليك من الإله عناية* * * تكسوك ثوبى آمنة و سكون
- ٣١٩- انتهى.
و قد وصفها في مقامة البلدان على منوال السجع فقال: مكناسة مدينة أصيلة، و شعب للمحاسن و فصيلة، فضلها الله تعالى و رعاها، و أخرج منها ماءها و مراعيها، فجانبها مريع و خيرها سريع، و وضعها له في قنة الفضائل