رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٢٥٦ - شق الطرق في الجبال و إعجاب السفير بذلك
فقلنا في ظهر مغر إلى قرب العصر ثم سافرنا،- ٢٢٢- و نزلنا عشية فصلينا العصر لآخر وقتها و بقينا إلى أن صلينا المغرب، و سرنا في بلاد كثيرة الحجارة و قد تقدم أمامنا العسكر بالنهار إلى موضع ضيق بين جبال، يخشى من العرب أن يتمسكوا به و يمنعوا الركب من المسير، فمررنا بهذا المضيق و وجدنا العسكر نازلا به على قنن الجبال يمينا و شمالا بعلاماتهم، و الوزير نازلا أسفله على فم المضيق بخيله، و بقوا هنالك إلى أن خرج الركب كله؛ و قد كان هذا المضيق في غاية الصعوبة و الضيق قبل اليوم يمر الركب كله جمل في أثر جمل، إلى زمن عثمان باشا رحمة الله عليه و ذلك قبل تاريخه بنحو ست عشرة سنة، فوسعه و قلع الصخور العظيمة و الحجارة الكثيرة و نحت الجبال يمينا و شمالا، فصار الناس يمرون به اليوم بأربعة و خمسة من الإبل متساويات تقبل الله منه، و هذا الوزير هو صاحب العقبة الأولى و له آثار كثيرة في هذه الطريق، فقد ابتنى قلعا متعددات و بركا للماء كثيرات، كثر الله في المسلمين مثله، يبقى الثناء و تذهب الأموال.
و في آخر الليل وصلنا الأخضر بعد مسير نحو عشر ساعات، و به قلعة حواليها خمس برك يخرج إليها الماء من القلعة فتمتلأ (كذا)، فاستقى الناس بالليل و في أول النهار ما يكفيهم ثلاثة أيام لا ماء فيها، و عند العصر اعتمدنا على رحمة الله تعالى و سرنا فقطعنا ذلك البغاز أي المضيق المذكور قريبا، و فيه من أوله إلى آخره نحو خمس ساعات، و تمادينا على المسير الليل كله، و بعد طلوع الشمس بساعة نزلنا في موضع بين جبال بعد سير خمس عشرة ساعة،- ٢٢٣- و ليس هذا الموضع معروفا لنزول الركب بل الموضع المعروف للنزول قلعة يقال لها المعظم [٣٨٩]، بقي بين هذا الموضع و بينها أربع
[٣٨٩] المعظم، وادي عذب الهواء و حلو الماء و متسع الأرجاء، يورد الشيخ إبراهيم الخياري في رحلته حسب ما نقله النابلسي أنه" قد اشتمل على قلعة عظيمة محكمة البناء ... و بجانب القلعة ... بركة ماء مربعة متسعة ... مبنية بالحجر"، و يرجح النابلسي أنها سميت بالمعظم لكون الملك المعظم هو بانيها و جعلها معسكرا لجنوده قبل أن ينقض عليهم الأعراب و يخربوا القلعة.
(الحقيقة و المجاز ٤٨٣).