رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٢٤٠ - نور الدين الشهيد محمود الملك العادل
غفلة فزار و جلس في المسجد، فطلب الناس للصدقة و فرق الذهب و الفضة، فلما فرغ سأل هل بقي أحد فأخبر برجلين من الأندلس نازلين وراء قبلة الحجرة الشريفة، من خارج دار آل عمر بن الخطاب رضي الله عنه المعروفة بالعشرة، يقولان نحن في كفاية لا نقبل شيئا فجد في طلبهما،- ٢٠٥- فلما رآهما إذا هما اللذان أراه إياهما النبي ٦ في النوم، فذكرا أنهما أحبا المجاورة عند النبي ٦، فاستدرجهما و تهددهما فأقرا أنهما من النصارى بعث بهما ملوك الكفار لنقل النبي ٦، و وجدهما قد حفرا نقبا تحت الحائط القبلي و جعلوا ترابه في بئر في الدار و قربوا من القبر الشريف، فضرب أعناقهما عند الشباك الذي في شرق الحجرة و أحرقا.
و سأله أهل المدينة الخارجين عن السور أن يبني لهم سورا يحفظ مواشيهم و أولادهم، فأمر به فبني عام ثمانية و خمسين و خمسمائة [٣٦٣] و كتب اسمه على باب البقيع فهو باق انتهى. و زاد صاحب" الخميس" أنه لما قتل ذينيك الكافرين اللعينين حفر حفيرا دائرا بالحجرة النبوية كثير العمق و أمر بالرصاص فأذيب وصبه في الحفير حتى ملأه، انتهى.
قال: و كان كثير الزهد و لا يغتر بما يجبى إليه، و كان لا يأكل إلا من ملك اشتراه من سهمه من الغنائم، و كان يحضر الفقهاء و يستفتيهم فيما يحل له من المال المرصد للمصالح، فيأخذ ما أفتي بحله فقط. و قيل كانت نفقته من الجزية في كل شهر ألف قرطاس لمأكله و ملبسه، و ربما استفضل منها شيئا فتصدق به في آخر الشهر، و يقال إن قيمة ألف قرطاس مائة و خمسون درهما. و كان يصرف الهدايا في بناء المساجد و ترميم المهجور منها و شراء وقف لها، و منع الخمر من مملكته و حد على شربها كثيرا، و كان له أوراد ليلية و نهارية و إذا حضر من أشغال المسلمين شيء قدمه على الأوراد ثم
- السرعة و التكتم، و هو ما كان متعذرا مع حشد ألف راحلة و ما يتبعها من خيل حسب الرواية التي نقلها ابن عثمان عن" تاريخ الخميس". (الحقيقة و المجاز ٣٤٩- ٣٥٠).
[٣٦٣] سقطت" خمسمائة" في النسختين.