رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٢٣٨ - نور الدين الشهيد محمود الملك العادل
كان حسن الخط كثير المطالعة للعلوم ملازما للجماعة في الصلاة، عاكفا على القرآن و فعل الخير دينا لم يسمع منه فحش و لا في غضبه، يحب النصح في الدين و في بعهده، لا يستغاب و لا يفحش في مجلسه عفيف عما في أيدي الناس. قال ابن الأثير: طالعت تواريخ الملوك قبله فلم أر بعد الخلفاء الراشدين و عمر بن عبد العزيز ملكا أحسن سيرة منه، قصر ليله و نهاره على عدل ينشره و جهاد يتجهز له، و مظلمة يزيلها و عبادة يقوم بها، و إحسان يوليه و انعام يسديه، قال ابن الأثير: و هو الذي جدد للملوك سنة العدل و الإنصاف و ترك المحرمات بعد ما فسد الحال انتهى.
لم يترك في بلد مكسا و لا ضريبة، و كان ملكه في الشام و مصر و الجزيرة و الموصل و أعمالها و غير ذلك، و القوي و الضعيف و القريب و الغريب عنده في الحق سواء، يتولى كشف الحال بينهما بنفسه و لا يتعدى حكم الشرع. حكى أنه دخل الخزانة فرأى مالا كثيرا قد تجدد فسأل عنه، فقيل هو من فائض مال الأوقاف، فأمر برده إلى الشهرزوري و هو كان القاضي حينئذ ليرده على الأوقاف، فأعاده الشهرزوري إلى الخزانة فغضب نور الدين و قال: ردوه إلى القاضي و قولوا له أنت تقدر على حمل هذا، و أما أنا فرقبتي دقيقة لا أطيق حمله و المخاطبة عليه بين يدي الله تعالى.
قال ابن الأثير: و كان يورث أولاد جنده الأقاطيع ليقوي عزمهم على القتال- ٢٠٤- و لا يقولوا نموت فتضيع أولادنا، و كان يتولى أمور الجند و مصالحهم بنفسه و يتفقد عددهم و خيلهم، و مع ذلك كان شديد الهيبة و الوقار، و كان يلزم الصغير و الكبير منهم بوظائف الخدمة، و لا يجلس عنده أمير من غير أمره له بالجلوس، حتى أسد الدين شيركوه و مجد الدين بن الداية و غيرهما إلا نجم الدين أيوب [٣٥٩] و إلا صلاح الدين
[٣٥٩] أبو الشكر أيوب بن شاذي بن مروان الملقب الملك الأفضل نجم الدين (ت. ٥٦٨ ه-)، والد السلطان صلاح الدين، كان في أول أمره متسلما قلعة تكريت هو و أخوه أسد الدين شيركوه ثم اتصل بخدمة نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام، و لما وزر ابنه صلاح الدين للعاضد صاحب مصر توجه إليه والده نجم الدين سنة ٥٦٥ ه و بقي عنده حتى استقل صلاح الدين بملك الديار المصرية، و خلال حملة لصلاح الدين على الكرك حدث أن سقط والده من