رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٢١٨ - تلخيص بعض ما جاء في كتاب النابلسي' الرد المتين'
- ١٨٢- فإن قلت: يلزم من انقطاع الألم في حقهم تعطيل اسم إلهي و هو المنتقم كما ذكر الشيخ رضي الله عنه فيما تقدم، و أسماء الله تعالى يستحيل تعطيلها، قلت: لا يلزم ذلك بل يغلب اسمه الرحمان على اسم المنتقم كما ورد من أن رحمته سبقت غضبه، فيبقى فعل المنتقم على ما كان عليه من أثره الذي هو العذاب ظاهرا، يشوبه اسم الرحمان فيغلب عليه فيزول الألم باطنا، و ذلك أن اسم الرحمان مهيمن على كل اسم إلهي فكان من هذا الوجه في مرتبة الاسم الله الجامع، و لهذا قال تعالى: [قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى] [٣١٨].
و لما كان جميع ما تحت العرش آثار الأسماء الإلهية، قال تعالى [الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى] [٣١٩] و لم يذكر غيره من الأسماء، و عن أبي يزيد رضي الله تعالى عنه أنه [٣٢٠] لما سمع قول الله تعالى: [إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ] [٣٢١]، قال: بطشي أشد من بطشه، لأن بطشه مشوب برحمة بخلاف بطشي، و ما قال ذلك إلا لعلمه بأن اسم الرحمان مهيمن على كل اسم إلهي، و أثر كل اسم إلهي مشوب بأثره، فإذا غلب في حق أهل النار على اسمه المنتقم، بحيث أعدم أثره على البواطن و أبقى أثره في الظواهر بحسب جريان العادة لا مانع من ذلك.
أ رأيت بأن المريض إذا وصف له الطبيب طعاما شديد المرارة و لم يعلمه بخاصيته مثلا، فإنه يتعذب و يتألم باستعماله حتى يعلم بخاصيته و نفعه، ثم بعد علمه بذلك ربما يصير يتلذذ به و لا يجد له ألما لما يشاهده من نفعه، مع بقاء المرارة فيه على حالها بل ربما نقول مع بقاء الألم في ذلك على حاله، و لكن حصلت- ١٨٣- اللذة لغلبة حال آخر أشد من الأول، كقيراط من الصبر [٣٢٢] المر إذا وضع في أوقية من العسل، فإن حلاوة العسل تغلب
[٣١٨] الآية ١١٠ سورة الإسراء.
[٣١٩] الآية ٥ سورة طه.
[٣٢٠] سقطت من (أ) و وردت في (ب).
[٣٢١] الآية ١٢ سورة البروج.
[٣٢٢] عصارة شجر مر.