رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ٢١٥ - تلخيص بعض ما جاء في كتاب النابلسي' الرد المتين'
في العذاب الذي هو الألم، فإنه مكروه لذاته و إن عمروا الدنيا فإن لهم في ذلك نعيما ذوقيا لا يعرفه غيرهم، فإن لكل واحدة من الدارين ملؤها فأخبر الله تعالى أنه يملأها و يخلد فيها مؤبدا، و لكن ما ثم نص تسرمد العذاب الذي هو الألم، إلا الحركات السببية في وجود الألم في العادة بالمزاج الخاص الحاس بالألم، فقد يرى الضرب و القطع و الحرق في الوجود ظاهرا، و لكن لا يلزم من تلك الأفعال الألم و لا بد، و قد شاهدنا هذا من نفوسنا في هذا الطريق و هذا من شرف الطريق، و فيه يقول أصحابنا ليس العجب من ورد في بستان و إنما العجب ممن يجد اللذة في غير السبب المعتاد، و هو كان مطلوب أبي يزيد رضي الله تعالى عنه في قوله:
و كل لذائذي قد نلت منها* * * سوى ملذوذ وجدي بالعذاب
و لهذا سمي عذابا لأنه يعذب في حال ما عند قوم فالمزاج يطلبه، و إذا كان الحق يأمر بتعظيم ما سواه مما يضاف إليه، و ما ثم إلا مضاف إليه إما نصا أو عقلا، فيبعد أن يتسرمد عليه العذاب الذي هو الألم، و قد كان الله و لا شيء معه، و لم يرجع إليه وصف لم يكن عليه مما أوجده و خلقه، و كذلك هو يكون و إنما قلنا ذلك من أجل من يقول يبقى اسم من الأسماء الإلهية لا أثر له، قلنا و إن لم يكن له أثر- ١٧٩- فليس كما له بوجود الأثر عنه، فإن العين واحدة فافهم ذلك.
و هذه من أشكل المسائل في هذا الطريق، فالله سبحانه و تعالى يقول إن رحمته سبقت غضبه، يريد أن حكمه برحمة عباده سبقت غضبه عليهم، و لا يظهر السبق في نفس الشأو، فإنه قد يكون الفرس واسع النفس بطيء الحركة، و الآخر ضيق النفس سريع الحركة و الشأو طويل، فلا يزال الواسع النفس و إن أبطأ يدخل على الضيق النفس حتى يزيد عليه و يتركه خلفه، فلا حكم بالسبق إلا في آخر الشأو، فمن حاز قصب السبق فهو السابق، و لهذا يطول في المسابقة بين الخيل في المسافة، فهو مشروع في معرض التنبيه على هذا المقام، و آخر المسافة هو الذي ينتهي إليه الحكم في السبق، و الرحمة سبقت غضب الله عز و جل على خلقه، فهي تجور العالم في الدارين بكرم الله تعالى و ما ذلك على الله بعزيز، و إن كان في النار فلهم فيها نعيم فإنهم