رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ١٨ - ٢- اهتمام المؤرخين بالإحراز و مكانته بين مصادر تاريخ الفترة
تأثيرها في تقلص تداول رحلة الإحراز.
بل يمكن الاستنتاج بأنه رغم ادعاء ابن عثمان تأليفه الإحراز بناء على تعليمات السلطان، فإنه أحجم عن تقديم المخطوط لسيدي محمد، الشيء الذي يفسر وضعه بين يدي المقرضين من أصدقائه بعد وفاة السلطان سيدي محمد بنحو ست سنوات على الأقل.
و إذا كان المقرضون الآنف ذكرهم أكدوا أهمية كتاب الإحراز في حياة مؤلفه و في ذروة مجده السياسي، فإن المؤلفين الآخرين من معاصريه أهملوا ذكر هذه الرحلة، إما لعدم علمهم بتأليفها و من ثم عدم اطلاعهم عليها أو لسبب آخر لا نملك تحديده. و من أشهر هؤلاء المؤرخ محمد بن عبد السلام الضعيف السوسي الرباطي، الكثير الإطلاع على أوضاع البلاد و تطوراتها في هذا العهد بالذات، و الوثيق الصلة بأوساط الناصريين الذين قرض اثنان منهم الرحلة كما أسلفنا، فقد أورد ذكر ابن عثمان في العديد من الوقائع لكنه لم يشر إلى تأليفه للإحراز.
أما المؤرخ المعاصر بدوره لابن عثمان فهو أبو القاسم الزياني، الذي يعد من كبار شخصيات هذه المرحلة من تاريخ البلاد، لمساهمته الفعلية في صنع أحداثها و احتكاكه المباشر برجالاتها. و الأكيد أن أبا القاسم، بمكانته المخزنية و اهتماماته العلمية، لم يكن ليجهل تأليف ابن عثمان" لإحراز المعلى"، و حتى إذا حالت الظروف التي أثرناها سالفا- و التي قد تكون وراء حرص ابن عثمان على عدم ترويج مخطوطه- دون وصول نسخة منه إلى الزياني، فإنه من الثابت أن هذا الأخير نهل من مخطوط الإحراز، دون التحلي بالأمانة و النزاهة التي يقتضيها عمل العلماء بذكر المظان التي اقتبسوا منها.
فإذا كان الزياني قد أشار في خاتمة الترجمانة إلى الرحلات التي اعتمدها بقوله:" إنما رسمت ما شاهدته في الأقاليم التي بلغتها، و غيره نقلته من رحلة العياشي و محاضرة اليوسي و رحلة البلوي، و رحلة ابن نباتة و رحلة السرخسي للأندلس و المغرب، و رحلة الكردي و رحلة البكري، و أخبار الهند