رحلة المكانسي - محمد بن عبد الوهاب المكانسي - الصفحة ١٥٠ - وصف خراب المدن و أسبابه و انتقادات ابن عثمان لولاة و عمال الجور
عشرة ساعة فنزلنا بظاهرها، و هي مدينة كبيرة فيها نحو الخمس عشرة خطبة، و أرضها أرض حراثة و فلاحة، و هي مؤسسة في بسيط مستندة على جبل و حولها بساتين و وادي عذب يقال له العاصي [٢١٥]، و قد جرى لسان العامة في خرافة يحكونها أنه من النيل و لا أصل لذلك، فإن منبعه قريب من بعلبك [٢١٦]. و لهذه المدينة سور عظيم محيط بالمدينة و بعض البساتين و بالجبل مصعدا في قنته و مصوبا في شعابه، يستبعد الإنسان أن يكون ذلك من عمل الإنس و هو من بنيان الروم الذين كانوا بها قبل الاسلام، فلم تغن عنهم حصونهم من الله شيئا، إلا أنه اليوم به تهدم في عدة مواضع قيل ببعض الزلازل و الأحداث و طول الزمان.
وصف خراب المدن و أسبابه و انتقادات ابن عثمان لولاة و عمال الجور
إلا أنها اليوم ليست بالحال الذي يناسب ذكرها و شهرتها، و إن كانت فيها حضرية فقد غيرها الزمان فهي اليوم ضعيفة جدا، إلا أن بناءها يدل على ضخامتها فكله مبني بالحجارة المنحوتة، و أزقتها و أسواقها كلها مرصفة
- ٥٣٨ م.، فتحها العرب سنة ١٧ ه- ٦٣٨ م و استردها البيزنطيون سنة ٣٥٥ ه- ٩٦٦ م لتعود للنفوذ الاسلامي سنة ٤٧٧ ه- ١٠٨٤ م، ثم سيطر عليها الصليبيون مدة ١٧٠ سنة إلى أن استردها السلطان بيبرس سنة ٦٦٦ ه- ١٢٦٨ م. اشتهرت في القديم بكونها مركزا أساسيا للتجارة بين الشرق و الغرب، كما تعرف بصناعة الحرير. يصفها الحميري بقوله:" و هي مدينة حسنة الموضع كريمة البقعة ليس بعد دمشق أنزه منها ... و هي إحدى عجائب العالم ... و النصارى يدعونها مدينة الله و مدينة الملك و أم المدائن لأنها أول بلد أظهر فيه دين النصرانية". (دائرة المعارف ٣- ٦٢؛ معجم البلدان ١- ٢٦٦؛ الروض ٣٨).
[٢١٥] العاصي إسم نهر حماة و حمص بالشام و يعرف بالميماس، منبعه من بحيرة قدس و يصب في المتوسط قرب أنطاكية، و هو نهر عظيم عليه جسور و نواعير كثيرة تخرج الماء إلى ضفافه.
(الروض ٤٠٥؛ معجم البلدان ٤- ٦٧).
[٢١٦] بعلبك، مدينة قديمة أطلق عليها الروم هليوبوليس تشتهر بأطلالها الرومانية و خاصة معبد باخوس الذي تذهب الأسطورة العربية إلى أنه قصر سليمان الذي أمهره لبلقيس. ضمت إلى الدولة الإسلامية سنة ١٦ ه- ٦٣٧ م و ظلت تابعة إداريا لدمشق، كما كانت عاصمة للأمراء السلاجقة و البويهيين. (دائرة المعارف ٣- ٧٠٠).