الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٦١
[موقف الوليد بن المغيرة من القرآن]
موقف الوليد بن المغيرة من القرآن ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش- و كان ذا سنّ فيهم، و قد حضر الموسم، فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، و إن و فود العرب ستقدم عليكم فيه، و قد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحد، و لا تختلفوا، فيكذّب بعضكم بعضا، و يردّ قولكم بعضه بعضا، قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فقل، و أقم لنا رأيا نقول به، قال: بل أنتم، فقولوا أسمع، قالوا: نقول: كاهن، قال: لا و اللّه ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهّان، فما هو مزمزمة الكاهن و لا سجعه، قالوا: فنقول:
مجنون، قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون و عرفناه، فما هو بخنقه، و لا تخالجه، و لا وسوسته، قالوا: فنقول: شاعر، قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشّعر كلّه: رجزه و هزجه، و قريضه و مقبوضة و مبسوطه، فما هو بالشعر، قالوا: فنقول: ساحر، قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السّحّار و سحرهم، فما هو بنفثهم و لا عقدهم، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: و اللّه إنّ لقوله لحلاوة، و إن أصله لعذق، و إن فرعه لجناة- قال ابن هشام: و يقال: لغدق- و ما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، و إن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر، جاء بقول هو سحر يفرّق به بين المرء و أبيه، و بين المرء و أخيه، و بين المرء و زوجته، و بين المرء و عشيرته. فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون بسبل النّاس حين قدموا المؤسم، لا يمرّ بهم أحد إلا حذّروه إياه، و ذكروا لهم أمره.
..........