الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٢٥٠
و نشأ النجاشى، مع عمّه- و كان لبيبا حازما من الرجال- فغلب على أمر عمّه، و نزل منه بكل منزلة، فلما رأت الحبشة مكانه منه، قالت بينها: و اللّه لقد غلب هذا التي على أمر عمّه، و إنا لنتخوف أن يملّكه علينا، و إن ملّكه علينا ليقتلنا أجمعين، لقد عرف أنّا نحن قتلنا أباه. فمشوا إلى عمّه، فقالوا:
إمّا أن تقتل هذا الفتى، و إما أن تخرجه من بين أظهرنا، فإنّا قد خفناه على أنفسنا، قال: ويلكم! قتلت أباه بالأمس، و أقتله اليوم! بل أخرجه من بلادكم. قالت: فخرجوا به إلى السوق، فباعوه من رجل من التجّار بستمائة ذرهم، فقذفه فى سفينة فانطلق به، حتى إذا كان العشىّ من ذلك اليوم، هاجت سحابة من سحائب الخريف، فخرج عمّه يستمطر تحتها، فأصابته صاعقة، فقتلته. قالت: ففزعت الحبشة إلى ولده، فإذا هو محمق، ليس فى ولده خير، فمرج على الحبشة أمرهم.
فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك، قال بعضهم لبعض: تعلّموا و اللّه أن ملككم الذي لا يقيم أمركم غيره للّذى بعتم غدوة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة، فأدركوه الآن. قالت: فخرجوا فى طلبه، و طلب الرجل الذي باعوه منه حتى أدركوه، فأخذوه منه، ثم جاءوا به، فعقدوا عليه التاج، و أقعدوه على سرير الملك، فملّكوه.
فجاءهم التاجر الذي كانوا باعوه منه، فقال: إمّا أن تعطونى مالى، و إمّا أن أكلّمه فى ذلك؟ قالوا: لا نعطيك شيئا، قال: إذن و اللّه أكلّمه، قالوا:
فدونك و إيّاه. قالت: فجاءه فجلس بين يديه، فقال: أيها الملك، ابتعت
..........