الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ١٤٦
..........
بالمدّثّر فى هذا المقام ملاطفة و تأنيس، و من عادة العرب إذا قصدت الملاطفة أن تسمى المخاطب باسم مشتقّ من الحالة التي هو فيها، كقوله (عليه السلام) لحذيفة: قم يا نومان، و قوله لعلى بن أبى طالب- و قد ترب جنبه: قم أبا تراب [١] فلو ناداه سبحانه، و هو فى تلك الحال من الكرب باسمه، أو بالأمر المجرد من هذه الملاطفة لهاله ذلك، و لكن لما بدىء، بيا أيها المدثر أنس، و علم أن ربه راض عنه، أ لا تراه كيف قال عند ما لقى من أهل الطائف من شدة البلاء و الكرب ما لقى: ربّ إن لم يكن بك غضب علىّ فلا أبالى [٢] إلى آخر الدعاء، فكان مطلوبه رضا ربه، و به كانت تهون عليه الشدائد. فإن قيل: كيف ينتظم يا أيها المدثر مع قوله: قم فأنذر، و ما الرابط بين المعنيين، حتى يلتئما فى قانون البلاغة، و يتشاكلا فى حكم الفصاحة؟ قلنا: من صفته (عليه السلام) ما وصف به نفسه حين قال: أنا النذير العريان، و هو مثل معروف عند العرب، يقال لمن أنذر بقرب
- فقال بعضهم: ساحر. و قال بعضهم: ليس بساحر، و قال بعضهم: كاهن، و قال بعضهم: ليس بكاهن، و قال بعضهم: شاعر، و قال بعضهم: ليس بشاعر، و قال بعضهم: بل سحر يؤثر، فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر، فبلغ ذلك النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- فحزن، و قنع رأسه، و تدثر، فأنزل اللّه تعالى: (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ، وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ، وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ، وَ لِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) و أخرجه البزار بنحوه عن جابر.
[١] كان على رضى اللّه عنه قد غاضب فاطمة، فلما جاء رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) منزل فاطمة، و علم بهذا، أرسل من يبحث عنه، فجاء، فأخبره أنه فى المسجد، فجاءه رسول اللّه «ص» و هو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه و أصابه تراب. فجعل رسول اللّه «ص» يمسحه عنه، و يقول: قم أبا التراب، قم أبا التراب .. مختصر من حديث رواه الشيخان.
[٢] من حديث رواه الطبرانى فى الكبير عن عبد اللّه بن جعفر.