الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٤١٣
..........
من الوجوه؛ فلذلك لم تأت التلاوة إلا بوجه واحد فى هذه القصة فتدبره.
و كذلك تسامح النحويون أيضا فى الباء و الهمزة، و جعلوهما بمعنى واحد فى حكم التعدية، و لو كان ما قالوه أصلا لجاز فى: أمرضته أن تقول: مرضت به، و فى أسقمته: أن تقول: سقمت به، و فى أعميته أن تقول: عميت به قياسا على: أذهبته و أذهبت به، و يأبى اللّه ذلك و العالمون؛ فإنما الباء تعطى مع التعدية طرفا من المشاركة فى الفعل، و لا تعطيه الهمزة، فإذا قلت: أقعدته، فمعناه:
جعلته يقعد، و لكنك شاركته فى القعود، فجذبته بيدك إلى الأرض، أو نحو ذلك، فلا بد من طرف من المشاركة إذا قعدت به، و دخلت به، و ذهبت به بخلاف أدخلته و أذهبته.
فإن قلت: فقد قال اللّه سبحانه ذهب اللّه بنورهم، و ذهب بسمعهم و أبصارهم» و يتعالى- سبحانه- عن أن يوصف بالذهاب، و يضاف إليه طرف منه، و إنما معناه: أذهب نورهم و سمعهم. قلنا: فى الجواب عن هذا: أن النور و السمع و البصر كان بيده سبحانه، و قد قال: بيده الخير، و هذا: من الخير الذي بيده، و إذا كان بيده، فجائز أن يقال ذهب به على المعنى الذي يقتضيه قوله سبحانه بيده الخير كائنا ما كان ذلك المعنى، فعليه ينبنى ذلك المعنى الآخر الذي فى قوله: ذهب اللّه بنورهم مجازا كان أو حقيقة، أ لا ترى أنه لما ذكر الرّجس كيف قال: «ليذهب عنكم الرّجس» الأحزاب: ٣٣.
و لم يقل يذهب به، و كذلك قال: «و يذهب عنكم رجز الشّيطان» الأنفال: ١١ تعليما لعباده حسن الأدب معه، حتى لا يضاف إلى القدّوس سبحانه- لفظا و معنى شيء من الأرجاس، و إن كانت خلقا له و ملكا