الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ١٨٥
..........
و القياس، و إنما يعرف من جهة الشرع، فإذا نظرت إلى ما فى الكتاب و السنة من ذكره نحو قوله سبحانه: ثُمَّ سَوَّاهُ وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ السجدة: ٩ أى من روح الحياة، و الحياة من صفات اللّه سبحانه، و النفخ فى الحقيقة مضاف إلى ملك ينفخ فيه بأمر ربّه، و تنظر إلى ما أخبر به الرسول (عليه السلام) أن الأرواح جنود مجنّدة، و أنها تتعارف [١] و تتشامّ فى الهواء، و أنها تقبض من الأجساد بعد الموت، و أنها تسأل فى القبر، فتفهم السؤال و تسمع و ترى، و تنعّم و تعذّب و تلتذ و تألم، و هذه كلّها من صفات الأجسام، فتعرف أنها أجسام بهذه الدلائل، لكنها ليست كالأجساد فى كثافتها و ثقلها و إظلامها، إذ الأجساد خلقت من ماء و طين و حمإ مسنون، فهو أصلها، و الأرواح خلقت مما قال اللّه تعالى، و هو النفخ المتقدم المضاف إلى الملك.
و الملائكة خلقت من نور كما جاء فى الصحيح [٢]، و إن كان قد أضاف النفخ إلى نفسه، فكذلك أضاف قبض الأرواح إلى نفسه فقال: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها الزمر: ٤٢ و أضاف ذلك إلى الملك أيضا فقال: قُلْ: يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ السجدة: ١١ و الفعل مضاف إلى الملك مجازا، و إلى الرب حقيقة، فهو أيضا جسم، و لكنه من جنس الريح، و لذلك سمّى روحا من لفظ الريح، و نفخ الملك فى معنى الريح غير أنه ضم أوله؛ لأنه نورانى،
[١] «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها اختلف. و ما تناكر منها اختلف» مسلم و البخاري فى الأدب و غيرهما.
[٢] فى مسلم عن عائشة: «خلقت الملائكة من نور، و خلق إبليس من مارج من نار، و خلق آدم مما وصف لكم»