الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٤٠٣
..........
الموضع تعطى الاختصاص، مثل أن يقول قائل: إن زيدا فاسق، فلا يكون مخصوصا بهذا الوصف دون غيره، فإذا قلت: إن زيدا هو الفاسق، فمعناه:
هو الفاسق الذي زعمت [١]، فدل على أن بالحضرة من يزعم غير ذلك، و هكذا قال الجرجانى و غيره فى تفسير هذه الآية أنّ هو تعطى الاختصاص، و كذلك قالوا فى قوله سبحانه: (وَ أَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَ أَقْنى) لما كان العباد [٢] يتوهمون أنّ غير اللّه قد يغنى، قال: هو أغنى و أقنى، أى: لا غيره، و كذلك قوله تعالى: «وَ أَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَ أَحْيا» إذ كانوا قد يتوهّمون فى الإحياء و الإماتة ما توهمه النمرود حين قال: أنا أحيى و أميت، أى: أنا أقتل من شئت، و أستحيي من شئت، فقال عز و جل: و أنه هو أمات و أحيا أى: لا غيره، و كذلك قوله تعالى: (وَ أَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى) [٣] أى: هو الرّبّ لا غيره، إذ كانوا قد اتخذوا أربابا من دونه، منها: الشّعرى، فلما قال: و أنه خلق الزوجين، و أنه أهلك عادا استغنى الكلام عن هو التي تعطى معنى الاختصاص، لأنه فصل لم يدّعه أحد، و إذا ثبت هذا، فكذلك قوله: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ أى: لا أنت. و الأبتر: الذي لا عقب له يتبعه، فعدمه كالبتر الذي هو عدم
[١] فى الأصل: التي.
[٢] التعبير الدقيق: بعض العبيد.
[٣] هذه الآيات من سورة النجم و ترتيبها: (وَ أَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَ أَحْيا. وَ أَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى، وَ أَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى.
وَ أَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَ أَقْنى، وَ أَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى) النجم ٤٤- ٤٩. و أقنى:
أعطى المال المتخذ قنية. و الشعرى: كوكب خلف الجوزاء أشد ضياء من الغميصا و فى القاموس: الشعرى: العبور، و الشعرى: الغميصاء أختا سهيل.